تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٦٠من انقطع في جزيرة ولم يبلغه خبر النبي ما الذي يسعه في أمر دينه؟]
القولُ فيمن كان على جزيرة من جزائر البحر، حيث لا يبلغه خبرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا خبر أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين؛ ما الذي يَسَعُه في توحيد ربه والإيمان بالرسل؟ وما الذي عليه أن يمتثله من دين الله عز وجل؟ اختلف الناسُ في هذا على قدر أقاويلهم؛ قالت القدرية (1): عليه أن يؤمن بالله وحده ويوحده] (2)؛ لأن ذلك يتضمن العقلُ علمه إذا استعمل الدلائل (3)، فمن لم يُؤمن ولم يعرف (4) فهو كافر، واختلفوا هم والأشعرية في المدَّة، فمن قائل الحالة الأولى تَسَعُه، ومن قائل ما دام مُفكّر ا () فأما الذين قالوا بالفكر في الحُجَّة فقد
وسعوا الشرك على الجاهل، وعطّلوا التوحيد على البالغ. وأما من قال إن مُدَّةَ الصَّبا هي الفكر فأشبه قليلاً، غير أن الأمة اجتمعت على أن الرسل والكتب هي الحُجَّة (6)، حُجَّة الله على خلقه لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ النساء: 165، ومع ذلك لا يَقْدِرُ أَن يَنَالَ الحُجَّةَ بها في حالة ولا في أحوال قليلة، ومع ذلك لا يسعه، وكذلك قولُ أهل الفكر. والذي أختاره [أنا () أن العقل وجوده حُجَّةُ الله على العبد في التكليف، والخلقُ كله حُجَّةُ الله، والرسلُ والكتب حُجَّة الله (8)، والإلهام والإخبار، كل هذا حُجَجُ الله على العباد، والحُجَّة العظمى وجود العقل، أدرك به شيئاً أو لم يدركه، استعمله أو لم يستعمله، وكذلك الكتب والرسل حُجَجُ الله تعالى، وإن كان لا
(1) سبق أن القدرية هم المعتزلة، وأنهم سموا بالقدرية لأنهم نفوا القدر خيره وشره أنه من الله، وزعموا أن الإنسان هو من يخلق أفعاله. (2) ساقط من (ب).
(3) ينظر: عبد الجبار، (شرح الأصول (الخمسة، مصدر سابق، ص 86. البصري، أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب (ت: 436 هـ)، (المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله بدون طبعة المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية- دمشق، (1384 هـ 1964 م)، ج 2، ص 886. (4) أي ولم يعرف خالقه عز وجل.
(5) ذهب الأشاعرة إلى وجوب النظر شرعا، وحجتهم في ذلك أن الإجماع قائم على وجوب معرفـ فة الله تعالى، ومعرفته لا تحصل إلا عن طريق النظر، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد أورد الزركشي في البحر المحيط خلافا في أول الواجبات، تفريعا على القول بوجوب معرفة الله، وذكر في المسألة بضعة عشر قولا ينظر الباقلاني، (التقريب والإرشاد)، مصدر سابق، ج 1، ص 215. الجويني، (التلخيص، ج 1، ص 129. الزركشي، البحر المحيط)، مصدر سابق، ج 1،
ص 49.
(6) في (ب) و (ج): "غير أن الأمة قد أجمعت أن الكتب والرسل هي الحُجَّة". (7) ساقط من (ب) و (ج).
(8) في (ب) و (ج) ورد هنا ذكر الآية السابقة مرة أخرى، ويبدو أنها أدرجت هنا سهوا.
[152)
}