تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٦٢ويدركها وينالُها من تلقاء نفسه، من غير حاجة إلى منبه أو مخبر يخبره، أو مفكّرٍ يفكره، أو دليلٍ يدله، وكذلك سائر وجوه الدين التي يُدركها العقلُ خاصة بتحسين أو تقبيح، فالواجب على المكلف عندهم البحث عنها بالفكر والنظر والاستدلال، فيمتثل هذا ويجتنب هذا، وما سوى ذلك مما لم يجعل الله في العقل إليه سبيلاً (1) ولا في الفكر عليه دليلاً فليس عليه منه شيء حتى يسمعه، [وتقوم عليه الحُجَّة بسمعه (2)، وتابعهم على هذه الطريقة من الإباضية عيسى بن عمير
(3)
قالوا: فالواجبُ عليه مع أول بلوغه الفكرُ والنظرُ والاستدلال، فإن ضيَّعه وفرط فيه أو قصر فهو كافر بتفريطه وتضييعه، وكذلك إن فكَّر ونظر وعَرَف فلم يعتقد ولم يؤمن فهو كافر بتركه الإيمان والاعتقاد، وقد مضى القولُ في المدة وفي مقدار ما يُفكر فيه، قالوا: فإذا قلتُم إن الحُجَّة إنما قامتْ على العباد في أمر دينهم بالكتب والرسل، وهي حُجَّة الله على عباده التي حاجهم بها وبها قَطَعَ عُذرهم، ولا يُسلمون ولا يُؤمنون دون ذلك؛ فما قولكم في الصمِّ البُكم، الذين لا يسمعون الأصوات بالآذان، ولا يُعبِّرون عما في ضمائرهم بألسنتهم، وفيمن كان في جزيرة من جزائر البحر التي لا يُؤتى إليها ولا منها (4)؛ مثل جزائر القمر (5)، والجزائر الخالدات (6)، ومن بأقطار الأرض؛ مثل ()، يأجوج ومأجوج، والصَّقْلَب (7)،
(1) في (ب) و (ج): "لم يجعل الله للعقل إليه سبيلا".
(2) ساقط من (ب) و (ج).
(3) عيسي بن عمير تلميذ لعبد الله بن يزيد الفزاري زعيم النُّكَّار، وكانا ممن انشق عن الإباضية، وخالفوهم في بعض المسائل، وتبعهم على ذلك أحمد بن الحسين، وهذا الأخير هو تلميذ لعيسى بن عمير ولهم فرق تنسب إليهم، قال الدرجيني في الطبقات: "مع أن طائفة تنتحل اسم الإباضية يقال لهم العمرية، لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل، وهم يزعمون أنهم إباضية ويسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله وهم تبع عيسى بن عمير. ينظر: الدرجيني، (طبقات المشايخ)، مصدر سابق، ج 1، ص 47. الوارجلاني، الدليل) والبرهان مصدر سابق ج 2 و ص 301. الثميني، (معالم الدين)، مصدر سابق، ج 1، ص 69.
(4) في (ب) و (ج): "التي لا يؤتى منها ولا يؤتى إليها"، والمعنى في العبارتين واحد. (5) جمهورية جزر القمر معروفة، وهي تقع في المحيط الهندي على مقربة من الساحل الشرقي الإفريقي، وأقرب الدول إليها موزمبيق وتنزانيا ومدغشقر.
(6) تسمى أيضا جزائر السعادة، هي ست جزائر واغلة في البحر المحيط [المحيط الأطلسي] قريبا من مائتي فرسخ، على قبالة السواحل المغربية، وتسمى اليوم بجزر الكناري. ينظر: ياقوت الحموي، معجم البلدن)، مصدر سابق، ج 2، ص 132. القزويني، زكريا بن محمد بن محمود القزويني (ت: 682 هـ)، (آثار البلاد وأخبار العباد)، بدون طبعة، دار صادر بيروت، بدون تاريخ، ص 29.
(7) جاء في معجم البلدان: "صَقْلب: بالفتح ثم السكون، وفتح اللام، وآخره باء موحدة، قال ابن الأعرابي: الصقلاب الرجل الأبيض، وقال أبو عمرو: الصقلاب الرجل الأحمر، قال أبو منصور: الصقالبة جيل حُمر الألوان، صهب الشعور، يتاخمون بلاد الخزر في أعالي جبال الروم، وقيل للرجل الأحمر صقلاب على التشبيه بألوان الصقالبة، وقال غيره: الصقالبة بلاد=
{154)
}