تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٦٣والكرد (1)، والديلم (2)، ومن لا تناله ولا تُدركه الحُجَّة، ولا يسمع بها، فكيف قطعتم عذرهم وألزمتموهم الحُجَّةَ (3) إلا من صحة عقولهم وسلامة أفكارهم؟ أو تكونون تكلفونهم مما لا يستطيعونه ولا يطيقونه ولا تحتمله خلقتُهم؟ ونحن وإياكم فى الأصل متفقون على إبطال التكليف بما لا يُطاق، وإبطال تكليف المُحال، ونقضناه جميعاً على من قال به، فمن أين قطعتُم عُذر هؤلاء (4) إلا من صحة عقولهم وسلامة أفكارهم؟
قلنا: الجواب لا يخلو جميعُ من ذكرتم في جميع أجناسهم من أحد رجلين لا ثالث لهما، إما رجلٌ كان على دين من الأديان، وشريعةٍ من شرائع الرسل عليهم السلام من لدن آدم إلى هلم جرا، ولم تقم عليه الحُجَّةُ ولم يسمع بما بعده، فتمسك بدينه وثَبَتَ على يقينه، فواسع له ما لم تقم عليه الحُجَّة، وينقطع عذره بما جدد الله من الشرائع والأديان والرسل بعد ذلك، وإما رجلٌ أُتِيَ عليه من قِبَلِ نفسه لا من قبل الله عز وجل، بتقصيره وتفريطه في طلب الحُجَّة، فلو طلبها وبحث عنها لنالها، فالتفريط من قِبَلِ نفسه، والتقصيرُ في طلب الحُجَّة منه لا من عدم الحُجَّة، والحُجَّةُ بالغة قائمة في كل زمان وأوانٍ وفي كل مكان، إذا لم يُقصِّر ولم يُفرِّط في الطلب، وطلبُ الحُجَّة والبحثُ عنها مما يمكنه ويدخلُ تحت وُسْعِه وطاقته، وأما حال الصُّمِّ البُكم فلا يخلو من أحد وجهين ولا ثالث، فإن كانوا ممن يفهم ويُفهم إما بالإشارة أو بالكتابة فهم كغيرهم، وإلا فهم ناقصون غيرُ وافين (5) ولا تكليف عليهم.
وقال أهل الحق في ذلك: إن حُجَّةَ الله التي يثبتُ بها فرضُ دينه على عباده فيما تعبدهم به من طاعته وزجر عنه من معصيته؛ قد قامت على الناس من جميع البالغين أشدَّهم من الأصحاء برسل الله التي أرسلها إلى خلقه، دالة على وحدانيته شاهدةً بربوبيته، داعيةً إلى طاعته، زاجرة عن
= بين بلغار وقسطنطينية". ياقوت الحموي، معجم البلدان، مصدر سابق، ج 3، ص 416. القزويني، (آثار البلاد وأخبار
العباد)، مصدر سابق، ص 614. (1) في (ج): "والصقلب والترك".
(2) بلاد الديلم بأرض الجبال بقرب قزوين، وهي بلاد كلها جبال ووهاد، وفيها خلق كثير من الديلم، وجبالهم ونواحيهم كثيرة المطر والشجر، وأكثر ذلك في وجه الجبل الذي يقابل البحر وطبرستان ينظر: القزويني، آثار) البلاد وأخبار العباد)، مصدر سابق، ص 330. الحميري، محمد بن عبد المنعم الحميري (ت: 900 هـ)، (الروض المعطار في خبر الأقطار)، تحقيق:
د إحسان عباس بدون طبعة مكتبة لبنان بدون تاريخ، ص 255.
(3) في (ج): "وألزمتم الحُجَّة".
(4) في (ب) و (ج): "فمن أين قطعتم عذرهم".
(5) في (ب) و (ج): "غير وافرين".
﴿100﴾