تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٨١من سنة رسوله أو من آثار الأئمة مما أجمعوا، والمخاطب لا يعلمُ ذلك، ففي هذا اختلف الناسُ متى تقوم عليه الحُجَّة فيه؟
وأما ما يُذكر في قوم من الإباضية في الحُجَّة أنهم قالوا: إن الحُجَّةَ لا تقوم على الناس فيما يَسَعُهم من دين الله إلا بأن يجتمع عليه جميع العلماء؛ فلست أدري ما يُذكر عنهم في هذا، بعد إذ سألتُ عنه من أخذتُ منه من علمائنا، وشافهتُ بعض علمائهم، فما أوقفوني على معوّل ذلك (1)، ولم أقف عليه فيما درست مع شدة الحرص مني وكثرة البحث، فإن كان القومُ يذهبون إلى أنه لا تكون حُجَّة حتى يجتمع عليه العلماءُ دون ما يختلفون فيه؛ فهذا وجه، أو يكونوا يذهبون إلى أن الحُجَّةَ لا تقومُ على [أحدٍ من] (2) الناس فيما يَسَعُهم [جهله (3) من دين الله إلا بمحضر من جميع العلماء؛ فما أراهم جعلوا للحُجَّة وجهاً تقوم به، كأنهم أرادوا أن لا يوجبوا على الناس حُجَّةً في جميع ما يَسَعُهم جهله أبداً، فيكون هذا القولُ منهم شبيهاً بالذي يُذكر عنهم من توسعة الجهل بجميع الفرائض التي هي دون التوحيد على من فُرضت عليه، والذي يجب على الناس من ذلك أن يفعلوا دون أن يعلموا، والله أعلم" (4). قال المفسر: القومُ المشار إليهم من الإباضية في هذا القول الأخير هم النُّكَّار (5)، وذلك قولهم واعتقادهم في المسلمين جميعاً فافهمه، والله أعلم.
قال الشيخ أبو عمار رضي الله عنه-: "فإن قال: قد فهمتُ محصول هذه الوجوه الثلاثة التي قد تضمنت جميع أقاويل الناس فيما سألتُ عنه من هذا، فأخبرني عن مذهبك في هذه الوجوه وإلى
مع
أيها تميلُ بجوابك، قيل له: لما كان العدد في الحُجَّة لا يوجب القطع به إذا كان مخالفاً للصفة عدم الدلالة في شيءٍ من تلك الأعداد دون شيء؛ كان القول به قولاً فاسداً، ولما كان التواتر يتعذرُ اتفاقه ولا يتهيا ائتلافه إلا بعد شكوك؛ كان القول بأنه لا تقومُ الحُجَّةُ ولا تلزم المعرفة بما دون
التواتر قولاً مضطرباً غير ذي حدٍّ معروف، إلا بأن يتواتر الخبرُ بما لا مَدْفَعَ له من التواتر اضطراراً؛ وهذا بعيد ولما كان هذان الوجهان على ما وصفنا ثَبَتَ أن الحق نفسَه حُجَّةٌ وبيانٌ على من سَمِعَه، كَثُرَ المورِّدون به أو قلُّوا، على أننا لا ننكر كثرة العدد في الحُجَّة وتواتر الخبر فيها يوجب المعرفة، بل ذلك كله حُجَّةٌ وما دونه حُجَّة، وإنما الاختلاف في المعنى الذي لا تقوم الحُجَّةُ ولا تلزم المعرفة إلا به، فإن قال: فهل تقولُ إن الواحد من الناس حُجَّةٌ في الحق؟ قيل: نعم؛
(1) في (ب) و (ج): "فما أوقفوني على محصول ذلك".
(2) ساقط من (أ).
(3) ساقط من (أ).
(4) أبو عمار، (الموجز)، ج 2، ص 137.
(5) النُّكَّار هم الناكثة أصحاب عبد الله بن يزيد الفزاري، وقد سبق التعريف بهم.
{172)
173
}