تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٨٥فصل: [الأمر المجرد العاري من القرائن هل يقتضي التكرار أم لا؟] (1)
الأمرُ المجرَّد العاري من القرائن هل يقتضي التكرار أم لا؟ الجواب: أنه لا يقتضي التكرار؛ خلافاً لمن قال يقتضي التكرار من الشافعية، ولمن قال بالوقفِ من الأشعرية (2)؛ لأنه قد امتثل وفَعَلَ ما أُمِرَ به، وخَرَجَ من العُهدَة وصَلحَ له الاسم فهو مصل وصائم، فكما لا يقتضي الخبر التكرار فكذلك الأمر، فلو قال خبراً: "صلى زيدٌ [صلى زيد] (3) لم يقتض التكرار، ولا يدل إلا على صلاةٍ واحدة؛ فكذلك الأمر، ومن حَلَفَ "ليفعلَنَّ" بَرَّ بمرةٍ واحدة، واستدل من [قال يقتضي] (4) التكرار بأن عليه استدامة الفعل حتى تأتي قرينة تدلُّ على الترك؛ كالنهي، فإذا نُهِيَ عن شيءٍ فعليه استدامة الترك، قلنا: إن لفظة النهي تدل على استدامة الترك، بخلاف الفعل، واستدلوا بقضية الشارب حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (اضربوه) (9)، فضربوه وكرَّروا عليه، فلو لم يقتض الأمرُ تكرار المأمور لما كرَّرُوا عليه الضرب، ولما ساغ لهم أن يضربوه أكثر مما يقتضي الأمرُ من الضرب، قيل لهم: إن قوله - عليه السلام: اضربوا الشارب) مقترنّ بقرينة الردع] (6) والزَّجر، ولا ينزجرُ بأدنى ما يقع عليه اسمُ الضرب، فكأنَّ الأمر ههنا غيرُ مجردٍ من القرائن، بل معه قرينة تدل على التكرار وهو الردع والزجر، ويُعكس عليهم بضربه أبداً حتى
يموت.
(1) العنوان الذي بين المعكوفين من إضافة المحقق.
(2) اختلف في الأمر المجرد العاري من القرائن هل يفيد المرة أو التكرار؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يدل بذاته على التكرار ولا على المرة، وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة أو الكثرة، وذهب أبو إسحاق الاسفراييني إلى أنه يفيد التكرار المستوعب لزمان العمر، وقيل إنه يفيد المرة الواحدة وينسب إلى الشافعي، وقيل بالوقف وهو رأي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الواقفية. ينظر: الباقلاني، التقريب والإرشاد، ج 2، ص 116. أبو الحسين البصري، (المعتمد)، ج 1، ص 108. الشيرازي (التبصرة)، ص 41. الشيرازي (اللمع)، ص 14. الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 298. السمعاني، (قواطع الأدلة)، ج 1، ص 65. الغزالي، (الستصفى)، ص.335. الرازي (المحصول)، ج 2، ص 98. الآمدي، (الإحكام)، ج 2، ص 371 القرافي شرح تنقيح الفصول)، ص 130. السبكي (الإبهاج)، ج 2، ص 48. الزركشي، (البحر المحيط)، ج 2 و ص 385. الشماخي (شرح مختصر العدل والإنصاف)، ص 245.
(3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) ساقط من (ب)، والعبارة في (ج): "واستدل من رأى التكرار".
(5) أخرجه البخاري (6777)، كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال وأبو داود (4477)، كتاب الحدود: باب في حد الخمر. كلاهما من حديث أبي هريرة. ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب، فقال: (اضربوه)، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم أخزاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا) تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان).
(1)
ساقط من (ج).
177
{}