تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٨٧النهيُ في معناه أمرٌ؛ لأنه أمرّ بالكف والترك، كما أن الأمر أمرٌ بالإقدام والإيقاع، والأمر والنهي مقتضيان، لكنَّ هذا فعل وهذا ترك، وقد عُلم أن النهي يُحمل على التكرار والدوام فكذلك الأمر. وأما الضمني فقد عُلم أن الأمر بالشي نهي عن ضده، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده: "تحرك" فقد تضمن قولُه النهي عن السكون، وإذا ثبت أن سكون العبد منهي عنه، لا من جهة التصريح بالنهي عنه ولكن من جهة تضمن الأمر، وكان النهي على الجملة يقتضي استيعاب الأزمان؛ تضمَّنَ ذلك لا محالة استيعاب الزمان بفعل المأمور به، إذ لا يصحُ استيعاب الأزمان بمجانبة السكون المنهي عنه ضمناً إلا بأن يُستوعب الزمانُ بفعل الحركة المأمور بها تصريحاً وأما عادة التخاطب فإنهم يقولون: قد حَسُنَ الاستثناء في عادة التخاطب في مثل هذا الأمر الذي نتكلم عليه، فإذا قال السيد لعبده: "كُلْ" حَسُنَ أن يقول له: "إلا في رمضان"، فلو كان الأمرُ متحداً لم يجز الاستثناء منه؛ لأن الاستثناء إخراج بعض من كل والواحد لا بعض له، وأما الذين صاروا إلى أن الأمر يُحمل على مرة واحدة فإنهم يعتمدون على القياس على الخَبَر والقَسَم، فيقولون: إذا قال القائل: "أكل زيد وتصدَّقَ عمرو" فإن مقتضى ذلك أكلة واحدة، وصدقة واحدة، فليكن الأمر كذلك، ويستشهدون على هذا بأن من قال لوكيله: "اشتر لي ثوباً" فإنه إنما يلزمُه شراءُ ثوبِ واحد، وكذلك من حَلَفَ "ليدخل الدار" فإنه يبرُّ بدخلةٍ واحدة، بخلاف الحِنث؛ فإنه متى قال: "لا دخلتُ الدار" حَنَثَ ما دخل الدار؛ لأن الحنث كالنهي، والنهي مستوعب، والبَرُّ كالأمر، والأمر غير مستوعِب، واستدلوا أيضاً بأن الموقع فعله مرةً واحدةً يسمى مطيعاً وممتثلاً، ولولا أن ذلك مُقتضى الأمر لم يَحسُن وصفه بذلك".
متي
قال ابن رشيق في شرح المستصفى (1): "الأمرُ من أقسام الكلام على ما عُرِف، والنظر فيه في حده وحقيقته، ثم في صيغته، ثم في حكمه من الفور والتراخي، والوجوب والندب، والتكرار والاتحاد". قال ابن رشيق (2) ذهب" أكثر الأصوليين إلا من رأى الوقف أن الأمر إذا ورد مطلقاً لا يقتضي التكرار، وعُزي إلى فرقةٍ من الناس اقتضاءُ اللفظ التكرار وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (3) ". قال المفسر: هو من الشافعية، وإياه يعني الشيحُ بقوله: "خلافا للشافعية". قال ابن رشيق (4): والدليل القاطعُ في ذلك أن وجوب تكرار الفعل لا بد له من دليل، وليس في اللفظ تعرض لأكثر من وقوع الفعل، والفعلُ يتحقق بفعل مرة واحدة، ولو لم يخرج بها عن مُوجَب اللفظ لما عُدَّ ما يأتي به ثانياً تكراراً، بل كان تتمةً لموجب الخطاب، فلما سُمِّى هذا تكراراً دلَّ على
(1) ابن رشيق، لباب المحصول في علم الأصول، مصدر سابق، ج 2، ص 13 ه. (2) ابن رشيق، لباب المحصول في علم الأصول)، مصدر سابق، ج 2، ص 525.
(3) الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران (ت:418 هـ)، سبقت ترجمته. (4) ابن رشيق الباب المحصول في علم الأصول، مصدر سابق، ج 2، ص 525.
179
{)