باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

أنه وافقَ مُوجَبَ اللفظ بما أتى به، فلا تبقى في اللفظ دلالة على ما سواه. قال: فإن قيل فلو فَسَّر لفظه بالتكرار هل يكون فسَّره بما لا يحتمله اللفظ؟ قلنا: إذا قال أردتُ به تكرار الفعل واستيعاب الزمان" قيل له: ليس في اللفظ دلالة على أكثر من وقوع الفعل، فإن فعل مراراً فقد فَعَلَ ما أُمرَ به وزاد عليه، كما أنه لو أُمِرَ بعتق رقبة فأعتق رقاباً، أو أُمِرَ أن يتصدق بنصف دينار فتصدق

بدينار.

قال (1): فللمخالف ثلاثُ شبه إحداها أن قوله: "صُم" كقوله: "لا" تصم"، وإنما يفترقان في اتصال لفظة "لا"، ثم قوله: "لا تصم" يعمُّ نفي جميع الصوم، فيتعينُ أن يكون كذلك قوله: "صم"، والجواب من وجهين؛ أحدهما أن نقول هذا قياس في اللغة، وقد قلنا إن اللغة لا تثبت قياسا، والجواب الثاني: أن الأمر ليس كما زعمتموه؛ لأن قوله: "لا تصم" نفيّ؛ فمقتضاه أن لا يُوقع صوماً، فإذا أوقع صوماً كان مخالفاً لموجب لفظ النفي، بخلاف قوله: "صُم" فإنه إثبات، ويحصلُ الثبوت بفعل مرةٍ واحدة، ويتحقق ذلك في اليمين؛ فإنه لو حلف "لا يدخل الدار" فدخلها مرةً حَنَتْ، ولو ترك بعد ذلك دخولها بقية العُمر] (2)، ولو حلف "ليدخلنَّها" فدخلها مرةً واحدةً بر يمينه ولولا تحقق موافقة اللفظ في البِرِّ بمرةٍ واحدةٍ، ومخالفته في الحنث؛ لما بَرَّ وَلَا حَنَتْ. الشبهة الثانية: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله: "تحرَّك" وقوله: "لا تسكن" سواء، ولو قال: "لا تسكن لزمته الحركة دائماً، فكذلك قوله: "تحرَّك" لزمته الحركة دائماً، الجواب: قد أبطلنا كونَ الأمر بالشيء نهياً عن ضده، ولو سُلّم فالنهي مستفاد من الأمر، فيكون على حسب الأمر، فإذا كان الأمر دائماً كان النهي عن الضد دائماً، وإن كان مقصوراً كان النهي عن ضده كذلك، فإنه لو قال مثلاً: "صم يوم الاثنين" كان النهي عن الفطر فيه لا دائماً الشبهة الثالثة: أن أوامر الشرع محمولة على التكرار، فيدل أن اللفظ موضوع له، قلنا: أوامر الشرع في قصرها وتكرارها مقصورة على حسب الدليل الدال على ذلك، فالحج يجب مرةً في العمر، والزكاة في العام مرة واحدة، والصلاة في اليوم والليلة خمس مراتٍ مرة لكل صلاة على أن ما استشهدتم به حُجَّةٌ عليكم لا لكم، فإن تلك الأوامر لا يستوعب فيها الزمن، فلو كان الأمرُ يتكرر لوجب استيعاب الزمان بهذه الأوامر، فحيث لم يجب استيعاب الزمان بطل ما رُمتُموه".

"

قال المفسر: الواقفية إنما توقفوا في الزائد على المرة الواحدة لا غير، وسلموا في المرة الواحدة، وقالوا: محالٌ أمرٌ غيرُ معلق بمأمور، والمرة الواحدة متفق عليها، ويستحيلُ تحقق الأمر دونها، قال الواقفية: المسألة محتملة وكل محتمل فلا يجوزُ الهجوم على أحد محتملاته إلا بدليل، ونحن

(1) الكلام لابن رشيق.

(2) ساقط من (ب) و (ج).

{}

180