تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٨٩نقف، والدليل على احتمالها عندهم حسن استفهام الأمر عن مُرادِه، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده "زُرْ فلاناً" حَسُنَ منه أن يستفهمه عن مراده، هل أراد زيارةً واحدةً أو [أراد] (1) زيارةً تتكرر؟ فلولا الاحتمالُ ما حَسُنَ السؤال، ومن أدلة الواقفية أيضاً قالوا: فعلُ الأمر مشتق من المصدر، والمصدر مبهم ما لم يقع فيه التعديدُ والتحديد، فالضربُ للواحدة وللمائة والألف، والقليل والكثير، وكذلك الأمر؛ فيتعين الوقف. وقول الشيخ في الخَبَر إنه يقتضي الاتحاد فليس من الإنصاف (2)، بل هو مبني على إيقاع الفعل لا غير، فيصلحُ أن تقول: صلى زيدٌ صلاةً واحدةً، وصلى صلاتين، وصلى صلوات"، فيتناول " [صلى] (3) زيد" هذه المحتملات كلها، وضربُ الشارب (4) مبني على غرض مطلوب من ضربه، فليس هو بمجرد ولا خالٍ من القرائن والكلامُ على ما لا قرينة معه،
والله أعلم.
أصل واستدلوا بأن لو حَلَفَ لا يفعلُ الشيء لم يبَرّ إلا باستدامة الترك، قلنا: النهي خلاف الأمر، ومقتضاهما مختلف، فإنما يدل النهي على عكس ما في الأمر (5)، فإذا كانت الاستدامة في النهي فأحرى ألا تكون فى الأمر، بل هو الأولى، واستدلوا بتكرار الصلاة والزكاة والصيام، فعورضوا بالحج، واستدلوا بتكرار الاعتقاد، فعورضوا بمأمور مرةً واحدة، أو بمرار محدودة؛ أنه يبرأ بالعدد، ويجب عليه تكرار الاعتقاد ولا يجب عليه تكرار الفعل، والدليل الدال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيءٍ فانتهوا) ()، وقد تعلق الفريقان بهذا الحديث، ولكلٍ مُتعلّق، أما الأولون قالوا: التحديد قد وقع وأقله الاستطاعة، وقال آخرون: فلو استطاع الأبد لكان عليه مثل ما عليه في استدامة النهي حتى يقع التحديد، والكلُّ قاصر، والذي يتوجه إليه الحديث أنه إن قَدَرَ أَن يفعل ذلك الشيءَ [كله] (7) فَعَلَه وإن لم يقدر إلا على بعضه فَعَلَ ما قَدَرَ عليه، ألا تراه يقول: (فأتوا منه ما
(1) ساقط من (أ) و (ب).
(2) يشير إلى قول صاحب المتن: "فكما لا يقتضي الخبرُ التكرار، فكذلك الأمر … إلخ".
(3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) في (أ): "وضرب الضارب وهو تصحيف والشارح يشير هنا إلى المثال الذي ذكره صاحب المتن في شارب الخمر، والذي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اضربوه)، وقد بين صاحب المتن كما سبق أن الأمر بالضرب في هذا المثال غير مجرد من القرائن، بل هو مقترن بقرينة الردع والزجر، وهذا ما يعنيه الشارح بكلامه هذا. (5) في (ب) و (ج): "فإنما يدل الأمر على عكس ما في النهي".
(1) أخرجه الربيع (394)، كتاب الحج باب في فرض الحج، من حديث أنس بن مالك. وأخرجه مسلم (1337)، کتاب الحج: باب فرض الحج مرة في العمر. والنسائي (2619)، كتاب مناسك الحج: باب وجوب الحج. كلاهما من حديث أبي
هريرة.
(7) ساقط من (أ).
181
{}