تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٩١وقال الآخرون: إنما أخذ عليهم من طريق الشرع لا من طريق اللسان (1).
الشرح: قال المفسر قوله واستدلوا بأن لو حَلَفَ لا يفعلُ الشيء لم يَبَرَّ إلا باستدامة الترك"، إنما مراده أن يميّز بين الأمر والنهي، ويقرِّر فرزَ (2) ما بينهما؛ ليدل بذلك على أن الأمر لا يقتضي الاستدامة واستيعاب الزمان، وأن النهي يقتضي الاستيعاب والاستدامة، فقال: "النهي خلافُ الأمر"، يعني إن اقتضى الأمرُ عدم الاستدامة استوجب النهي الاستدامة؛ لأن الأمر خلافُ النهي، وهذا الذي صار إليه لا يطرد؛ فإن في الأمر ما هو مستدام مستوعب الزمان؛ كالأمر بالاعتقاد، والولاية والبراءة، والخوف والرجاء، والأمر بالكف عن الذنوب، والتوبة، وغير ذلك مما لا يُحصى في الشرع؛ لأنه مأمورٌ باستدامة ذلك كله واستيعاب الزمان.
قال المازري في شرح البرهان (3): رأيت في تصانيف من الأصول لا تُحصى كثرة حكاية الاتفاق على أن النهي المُطْلَق يُحملُ على الاستيعاب للأزمنة بالاجتناب، فمن مصرح بالاتفاق على ذلك ومن مشير إليه، لكن القاضي عبد الوهاب (4) ذكر أن من الناس من أجراه مجرى الأمر في اقتضائه الكف مرةً واحدة، ولم يسم في بعض تصانيفه من صار إليه، والقاضي وغيره من أئمة المتكلمين أجروه مجرى الأمر في أنه لا يقتضي الاستيعاب، فهؤلاء لا يُطالبون بالفرق بينه وبين الأمر إذا قالوا إن الأمر لا يقتضي الاستيعاب وأما الجمهور الصائرون إلى أن النهي يقتضي الاستيعاب بخلاف الأمر فقد أكثروا من ذكر الفروق بينهما، فقالوا: إنما فرقنا بينهما لقوله -عليه السلام-: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا) (°)، فأنت تراه - صلى الله عليه وسلم كيف علَّقَ الأوامر بالاستطاعة وأطلق النواهي، وأشار بالإطلاق إلى حملها على الاستيعاب، وقيل الفرق بينهما أن الاجتناب لا يشقُ ولو تكرر، والفعلُ يشقُ إذا تكرر، وقيل الفرق بينهما أن النهي يدلُّ على قبح المنهي عنه، والقبيحُ يجب اجتنابه أبداً، والأمر يدل على الحُسْن، والحسنُ يكون حسناً ولا يجب، وقيل الفرق بينهما أن العادة جارية بالفرق بينهما في التخاطب، فالنواهي يُفهم منها الاستيعاب بخلاف الأوامر، ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده: "لا تُقابح الناس، لا تُؤذ الجار" إلى غير ذلك من أمثاله؛ لم يحسن من العبد أن يستفسر عن الاتحاد أو
(1) أي إنما خفي عن الصحابة هذا المعنى لا لكون اللفظ لا يدل على الدوام، بل هو دال عليه لغة، ولكن عدم دلالته عليه إنما هو مستفاد من جهة الشرع لا من جهة اللغة.
(2) في (ب): "ويفرز فرق"، وفي (ج): ويقرر" فرق"، والمعنى في الجميع واحد.
(3) المازري، (إيضاح المحصول من برهان الأصول، مصدر سابق، ص 208، باختصار.
(4) القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد البغدادي (ت: 422 هـ)، سبقت ترجمته.
(5) سبق تخريجه.
﴿AT﴾