تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٩٢6
التكرار بل يفهم من هذا استيعاب الأزمنة، ولو قال له: أعط" فلاناً ثوباً، تصدق على هذا المسكين بدرهم" لم يُفهم منه الاستيعاب".
وقول الشيخ: "واستدلوا بتكرار الصلاة والزكاة والصيام فعورضوا بالحج"، إنما أشار الشيخ ههنا إلى تقابل الدعوتين، فإن تقابلتا [تقاومتا، وإن تقاومتا] (1) سَقَطَتا، ومراده أن تكرار الصلاة إنما ثبت بالشرع لا بنفس الأمر المجرد، فكأنَّ الشرع قرينة التكرار، وكذلك الحج إنما اتَّحد بالشرع لا بنفس الأمر، فهذا وجه التقابل، وكذلك الاعتقاد إنما وَجَبَ استدامته بالشرع لا بنفس الأمر، ومعارضتهم بمأمورٍ بأمرٍ محدود أنه إذا فَعَلَ أطاعَ وامتثل وخرج من عُهدة الأمر؛ فهذا بالإجماع، فإن السيد إذا قال لعبده: اضرب الدابَّة ضربةً واحدةً، أو ثلاثَ ضربات" فإذا فَعَلَ فقد امتثل، ولا تكرار عليه، هذا كله ومثله مما يُعرف بالإجماع والشرع، فكأنه قرائن والأمرُ فيها غيرُ عارٍ ولا مجرد، والكلام على الأمر المجرد العاري، وأما حديث الأقرع أو سُراقة فإنه استدل به الفريقان وتمسَّكَ به الخصمان فقال أهلُ التكرار: لولا ما عَلِمَ أن التكرار واجبٌ وأن المأمور لا يبرأ بفعله
آل
مرةً لما سأل عنه، ألا ترى أنه لم يسأل عن "الناس" (2) في قوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ عمران 97، وقال أهل الاتحاد: لولا ما عَلِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم- أن الأمر لا يتكرر، وأن المأمور يبرأ بفعله مرةً واحدةً ويخرج من عُهدة الأمر بأدنى ما يقعُ عليه الاسم؛ لما غَضِبَ ولما انتهر السائل، وقال الآخرون: إنما غضب من كثرة السؤال وكثرة المراددة، والإلحاح في السؤال؛ كسؤال بني إسرائيل في وصف البقرة، ومنه قوله تعالى: لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ * المائدة: 101، والله أعلم.
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) في (ب) و (ج): "ألا تراه لم يسأل عن الناس".
{184
}