تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٩٣[الأمر إذا تكرر هل يقتضي التكرار؟] (1)
فصل: الأمر إذا تكرر لا يقتضي تكرار المأمور به وقال بعضهم يقتضي التكرار، والأول أصح، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي (2). وقالوا: [إنه] (3) ليس في تكراره فائدة غير التأكيد، والذي يدل عليه اللفظ الأول هو الذي يدل عليه اللفظ الثاني، وقالوا: إن اللفظ الثاني يحتمل الاستئناف فوَجَبَ تكرار الفعل لتكرار اللفظ، قلنا (4): هذا أمرٌ مظنون، وكما أن الأمر يحتمل الوجوب والندب، ولسنا ندع الأصل إلى الفصل، ودليل آخر أن السيد إذا قال لعبده: "اسقني اسقني" أنه لا يتكرر سقيه مرتين لتكرار لفظه مرتين، فكذلك ههنا، وهذا إذا تكرر بلفظ واحدٍ، وبلفظين مختلفين معناهما، واحد، وأما إذا تكرر الأمرُ بلفظين مختلفي المعنى واللفظ فذنك مأموران يجب امتثالهما، وأما إن اتَّفق المعنى واختلف اللفظ فذلك مأمورٌ واحد، وكذلك في كل
(1) العنوان الذي بين المكوفين من إضافة المحقق.
(2) في هذه المسألة لا بد من تحرير محل النزاع، فإن الأمر إذا تكرر واختلف المعنى المأمور به حمل كل واحد منهما على وجوب المأمور به، نحو "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (البقرة: (43)، إلا إن صرفته قرينة عن الوجوب نحو "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده (الأنعام: 141)؛ فإن الإجماع صرف الأكل عن الوجوب. وإن اتفق المعنى واختلف متعلقه نحو: صل ركعتين صل أربع ركعات؛ دل على تكرار الفعل المأمور به. وأما إن تكرر الأمر واتفق متعلقه، فإما أن يكون بحرف العطف أو لا، فإذا كان بحرف العطف نحو صل ركعتين وصل ركعتين، فالتأسيس أولى؛ لأن التأكيد بواو العطف لم يعهد أو قليل. وإن لم يكن هناك عطف فإما أن يوجد ما يمنع التكرار عادة، أو عقلا، أو شرعا، أو بسبب التعريف؛ مثال التعريف: صل ركعتين صل الركعتين، فإن الأمر الثاني هو الأول، ومثال ما يمنع التكرار عادة نحو اسقني ماء اسقني ماء؛ فإن دفع الحاجة بمرة واحدة غالباً قرينة تمنع التكرار عادة، ومثال ما يمنع التكرار عقلا نحو اقتل زيدا اقتل زيدا؛ فإن العقل يمنع القتل مرتين، ومثال ما يمنع التكرار شرعا نحو: أعتق عبدك أعتق عبدك؛ لأن الشرع يمنع تكرار العتق. هذا إذا وجد ما يمنع التكرار، أما إذا لم يوجد ما يمنع التكرار، فهذا الذي وقع الخلاف فيه، القول الأول يحمل على التأكيد لأن الغالب في التكرار إرادة التأكيد، قال به الصيرفي، واختاره صاحب المتن هنا، ونسبه إلى أبي حنيفة ومالك والشافعي، وفي ذلك نظر، والقول الثاني يجب تكرار المأمور به بتكرار الأمر لأن كل واحد منهما لو انفرد لأوجب فعلا، وقد صححه أبو إسحاق الشيرازي، ونسبه ابن برهان إلى الجمهور، وقال بعض بالتوقف، وهو رأي القاضي الباقلاني وغيره من الواقفية. ينظر: الجصاص، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي (ت: 370 هـ)، (الفصول في الأصول)، تحقيق د عجيل جاسم النشمي، ط 2، وزارة الأوقاف - الكويت، (1414 هـ 1994 م)، ج 2، ص 150 الباقلاني، التقريب والإرشاد)، ج 2، 139. أبو الحسين البصري (المعتمد)، ج 1، ص 173. الشيرازي (التبصرة)، ص 51 الشيرازي (اللمع)، ص 15. الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 315. الرازي (المحصول)، ج 1، ص 150. الزركشي، البحر المحيط)، ج 2، ص 392. الشماخي، (شرح مختصر العدل والإنصاف)، ص 247. السالمي (طلعة الشمس)، ج 1، ص 158.
(3) ساقط من (أ).
(4) في (أ) و (ج): "لتكرار اللفظ هنا" وهذا تصحيف.
﴿110﴾