باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

الجنس المأمور به، فأما إذا اختلف المأمورُ له والأوامر متعاقبة ومترادفة؛ فأمَّا أن تُنعت بالتكرار ففيه بعد، قال: والموانع عن حمله على التكرار تنحصر في أربعة أقسام؛ أحدها: أن يكون التكرار ممتنعاً عقلاً، نحو الأمر بالقتل إذا سبق ثم ورد ثانياً، فيعلمُ أن القتل لا يُثنى ولا يتعدد. الثاني: أن يمتنع التكرار شرعاً، وذلك مثل الأمر بالعتق في عبدٍ معين مع العلم بأنه لا يتكرر، إلى غير ذلك مما يُشبهه الثالث: أن يكون الأمرُ الأول متضمناً استيعاب جنس المأمور به، فيُعلم أن الأمر الثاني لا يقتضي تجديداً، فإن الأمر الأول استغرق جنس ما قدر في الجنس المسمى. الرابع: قرينة حال تقترن بتكرار الأوامر تُنبئ عن التأكيد، وذلك نحو قول السيد لعبده وقد جَهَدَه العَطش: "اسقني اسقني" فليس يقصد بذلك إلا تحريضه على المبادرة إلى السقي، ويلتحق بهذا القبيل عهد سبق بين الأمر والمأمور، وذلك بأن يقول: إذا كررتُ عليك الأمر بالفعل فاعلم أني أردتُ بالتكرار الامتثال مرةً واحدة. فهذه قرائن التأكيد".

وقوله: "وقالوا إن اللفظ الثاني (1) يحتمل الاستئناف"، القائلون هم الذين يعتقدون التكرار، يعنون أن اللفظ الثاني محتمل للتأكيد فيكونُ الأول هو الثاني ويبطل التكرار، ويحتمل الاستئناف والقطع فيجب تكرار الامتثال للخروج من حَيْرة الاحتمال، فأجيبوا بأن هذا أمرٌ مظنون وليس بمتيقن (2)، ولا يُصار إليه إلا بدليل أو قرينة، وكما أن الأمر يحتمل الندب والوجوب فَعَلَّبْنا الوجوب عند عدم القرائن والدلائل لأنه الأصلُ في الباب خلافاً للواقفية ولمن صار إلى الندب- فكذلك هو عندنا أيضاً في هذا، "ولسنا ندع الأصل إلى الفصل"، والفصل هنا قَصَدَ به [إلى] (3) الفرع، والله أعلم.

وقوله: "تكرار المعارف تكرار"، فهو ما مثل به، قال الله عز وجل: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا

15

فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ المزمل: 15 - 16، فالثاني هو الأول، وهو تعريف العهد، لأن ذكره في القرآن كثير كقوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} آل عمران: 164، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ مِنْ أَنفُسِكُمْ} التوبة: 128، ثم قال آمَنَ الرَّسُولُ البقرة: 285، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ النساء: 69، وباقي الفصل كله بيِّن واضح، والله أعلم.

(1) في (أ): "وقالوا إن اللفظ الأول"، والصواب "اللفظ الثاني" كما مر في المتن. (2) في (ج): وليس" "بمتعين" ويبدو أنه تصحيف؛ لأنه في مقابل الأمر المظنون. (3) ساقط من (ج).

187

﴿AY﴾