تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٩٩المخير بينهما من الأفعال (1)
مسألة: اعلم ان المخير بينهما في الأفعال يجب أن يكون حكمُها واحداً في الوجوب وفي الندب وفي الإباحة، فإن لم يكن [كذلك] (2) بَطَلَ التخيير، والأفعال المخيَّر فيها على وجهين: ضرب لا يجتمع؛ كالتأجيل والتعجيل بِمِنَى (3)، وضربٌ يجتمع؛ كالإطعام والصيام والعتق، فالواجب منها واحد غير معين إن وردت على جهة الوجوب؛ خلافاً لأبي حنيفة الموجبها كلها حتى يفعل واحداً بعينه، وخلافاً لمن قال: أغلاها ثمناً وباقيها تطوع، وتعلَّق بأن الثواب تعلَّق بأغلاها ثمناً، وليس بصحيح، وخلافاً لمن قال الواجب [منها] (4) أدناها، وهو الذي اشتغلتْ به الدَمَّةُ وطُولبَ به المكلف، فإذا فَعَلَه بَرئ، وما سواه تطوع به (). والردُّ عليهم أن العقاب يتعلق بواحدٍ إذا تركها كلها، وهو غير معين، فبطل ما قالوا ومن الأفعال ما يجب التخيير بينها ولا يصح الجمع بينها؛ كالولي في الأكفاء، والأمَّة في الخلفاء (6)، وأما ما يقضي العقلُ باستحالته فلا يقع التخيير فيه؛
(1) العنوان ما بين المعكوفين من وضع المحقق.
(2) ساقط من (ج).
(3) في (ج) يوجد بياض مكان كلمة "منى". وصاحب المتن هنا يشير إلى التخيير الحاصل للحجاج في أيام منى بين التعجيل أو التأخير الوارد في قوله تعالى: "واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
لمن اتقى" (البقرة:203). (4) ساقط نم (أ) و (ب).
(5) للواجب أقسام باعتبارات متعددة، فباعتبار المأمور ينقسم إلى واجب عيني وواجب على الكفاية، وباعتبار المأمور به ينقسم إلى واجب معين وواجب مخير، وباعتبار وقته ينقسم إلى واجب موسع وواجب مضيق والمراد بالواجب المخير هو إيجاب شيء مبهم من أشياء محصورة كخصال الكفارة الواجبة بقوله تعالى: "فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة (المائدة: (89)، وكفدية المحرم الحالق رأسه بسبب الأذى الواجب بقوله تعالى: "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" (البقرة: (196). وقد اختلف الناس في الواجب المخير، فذهب الجمهور إلى أن الواجب واحد لا بعينه، فأي واحد منها فعل سقط عنه الفرض، وهو الذي اختاره المصنف صاحب المتن، والقول الثاني أن الجميع واجب ويسقط بالواحد وبه قال المعتزلة، ومنهم من زاد الكل واجب على التخيير والبدل، واختاره ابن خويز منداد وبعض أصحاب أبي حنيفة، والقول الثالث: أن الواجب واحد معين عند الله غير معين عندنا، وهذا القول نسبه الأشاعرة إلى المعتزلة والمعتزلة إلى الأشاعرة، وهو قول باطل؛ لأن فيه تكليف ما لا يطاق، والقول الرابع أن الواجب واحد معين عند الله تعالى، فإن فعله المكلف فذاك، وإن فعل غيره كان نفلا وسقط به الواجب ينظر الجصاص، (الفصول في الأصول)، ج 2، ص 149. أبو الحسين البصري (المعتمد)، ج 1، ص 84. ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت: 456 (هـ)، (الإحكام في أصول الأحكام)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، قدم له د إحسان عباس بدون طبعة، دار الآفاق الجديدة - بيروت، بدون تاريخ، ج 3، 75. أبو يعلى، (العدة)، ج 1، 302. الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 359. السمعاني، (قواطع الأدلة)، ج 1، ص 97. الغزالي، (المستصفى)، ص 89. الرازي (المحصول)، ج 2، ص 159. الآمدي، (الإحكام)، ج 1، 82. الطوفي، (شرح) مختصر الروضة، ج 1، ص 279. السبكي، (الإبهاج)، ج 1، ص 83. الزركشي، (البحر المحيط)، ج 1، ص 186. الشماخي، (شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 213. السالمي، (طلعة الشمس)، ج 2، ص 325. (6) في (أ): "والأمة في الخلف".
191
{191 (