تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠كالجمع بين الضدين كما لا يصح التخييرُ بين واجبين، وأما إن كان أحدهما واجباً والآخر مندوباً إليه، أو الآخر مباحاً فلا يصحُ التخييرُ بينها؛ لأن ذلك يُخرجُ كل واحدٍ منها عن صفته، وأما التخييرُ بين جميع ما يملكه أن يقضي منه الحقوق [الواجبة] (1) فجائز.
الشرح: قال المفسر: رسم أبو المعالي في تلخيصه باباً في هذا المقصد، ترجم عليه: (القولُ في ورودِ الإيجاب المتعلّق بأشياء على جهة التخيير) (2)، ولا نرى الشيخ -رضي الله عنه- رَفَعَ إِلا على قواعده؛ لتساوي الألفاظ وتناسقها، وتناسب المعاني وتجانسها، وابتدأ الشيخُ -رضي الله عنه- بشروط التخيير، فمنها تساوي أحكامها في الوجوب والندب والإباحة، يعني أن تكون واجبةً كلها أو مندوبة أو مباحة، وتعيين ذلك كله بالتمثيل، فالتخييرُ (3) بين الواجبين، ونعني بالوجوب أن المخيَّر فيهما لا يُوقِعُ واحداً منهما إلا ويعتقد أنه واجبٌ عليه، وأنه مطيع ممتثل بإيقاعه، وقد برأت به ذمَّتُه، ولا يُطالب بغيره، ولا يأثمُ بترك سواه، فلا يوصفُ في تركه غيره (4) بأنه عاص ولا تارك للواجب، بل هو مخيَّرٌ في واحدٍ لا بعينه؛ وهذا كالقصر والتمام في السفر (ه) في قول من يرى ذلك، فإن قَصَرَ فقد فَعَلَ واجب (6) وأدى فرضاً، وإن أتم فكذلك فى قول من يرى أن المسافر
مخيَّر، وكذلك في فدية الحالقِ محرماً في قوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُك البقرة: 196، فقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة (): (صُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين (8) مدين لكل مسكين، أو انسك بشاة،
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) ينظر الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 359.
(3) في (أ): "فالتمييز" ويظهر أنه تصحيف. (4) في (ب) و (ج): "فلا يوصف بتركه غيره". (5) في (ب) و (ج): "كالقصر والتمام للمسافر". (6) في (أ): "فقد أدى واجبا".
(7) كعب بن عجرة، الصحابى، وعُجرة بضم العين، هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق كعب بن عجرة بن أمية بن عدى بن عبيد بن الحارث، حليف الأنصار تأخر إسلامه، وشهد بيعة الرضوان وغيرها. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم، وفيه نزل قوله تعالى: "ففدية من صيام أو صدقة أو (البقرة: 197). سكن الكوفة، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين وقيل ثنتين وخمسين وقيل ثلاث وخمسين، وله سبع وسبعون، وقيل: خمس وسبعون سنة. ينظر: ابن الأثير، أسد الغابة)، ج 4، ص 454 النووي، (تهذيب الأسماء واللغات)، ج 2، ص 68. المزي، تهذيب الكمال)، مصدر سابق، ج 2، ص 179. الذهبي، سير أعلام النبلاء)، ج 3،
نسك"
ص 52. ابن حجر، (الإصابة)، ج 5، ص 448.
(8) في (ب) و (ج): "عشرة مساكين" وهذا خطأ.
{192)
192
}