تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٠١أيما فعلت أجزاك) (1)، فالذي فَعَلَ من ذلك هو الواجب عليه، وهو مخيَّرٌ بينها، والذي فَعَلَ منهما هو الواجبُ عليه، واحدٌ لا بعينه (2). فأما ما يختلفُ حكمُه؛ مثل أن يكون أحدهما واجباً والآخر مندوباً، أو يكون أحدهما مندوباً والآخر مباحاً؛ فلا يسوغ التخييرُ [بينهما] (3)، وأما بين المندوب بينه والمباح بينه فسائع (4)، فإن كلَّ واحدٍ مختصّ بحكمه، فالواجبُ يؤجر على فعله ويأثمُ بتركه (5)، والمندوبُ يؤجرُ بفعله ولا يأثم بتركه، والمباحُ لا يؤجر بفعله ولا يأثم بتركه، ولو جوزنا التخيير بين الواجب والمندوب أو بينهما وبين المباح؛ لانقلب حكم الواجب إلى الندب أو إلى الإباحة (3) أو إلى سائر الأحكام ()، وذلك محال.
قال أبو المعالي في تلخيصه (8): ثم اعلم أن التخيير يتعلق بمتضادين يستحيل الجمع بيهما عقلا؛ نحو ورودِ الأمر بالقيام والقعود، ولا يقدَّر الجمعُ بينهما، وقد يتعلَّق بمختلفين يجوز الجمع بينهما عقلاً وسمعاً؛ نحو الإطعام والعتق والكسوة في كفارة اليمين، وقد يتعلق بمختلفين يجوز الجمع بينهما عقلاً وقد منع الشرعُ من الجمع بينهما؛ نحو تخيير الوليّ بين الأكفاء في تزويج وليَّتِه، فيثبتُ التخييرُ بين آحادهم ولا يجوز الجمع بين اثنين في حكم التزويج، وكذلك إذا انطوى العصر على أشخاص يصلح كل واحد منهم للإمامة فيجب نصبُ أحدهم، والتخييرُ إلى أهل الحل والعقد عند التساوي في الصفات، ولو أرادوا الجمع بين إمامين لم يَجُزْ لهم ذلك، وأما تخصيص إحدى الخيرتين بزيادة تحريض؛ فهو نحو الإعتاق مع الإطعام، فإن العتقَ
يخصَّص بزيادة تحريض في أغلب الأوقات، فإن قيل: فهل يُتصور التخيير بين مثلين؟ قيل: إن تساويا في كل الأوصاف ولم يُخصص أحدها على الثاني بوصفٍ ووقت وتعذَّر المميز بينهما؛ فلا يجوز التخيير مع تعذر العلم بالمميز، وإيضاح ذلك بالمثال؛ أن قائلاً لو قال: يخيَّر المكلف بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن
(1) أخرجه الربيع (432)، كتاب الحج باب في الهدي والجزاء والفدية، من حديث ابن عباس. ومالك في الموطأ (1258)، كتاب المناسك باب فدية من حلق قبل أن ينحر من أذى يصيبه من حديث كعب بن عجرة واللفظ لهما. وأخرجه البخاري (4517)، كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالي فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ومسلم (1201)، كتاب الحج: باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى والترمذي (2974)، أبواب تفسير القرآن باب سورة البقرة. ثلاثتهم من حديث كعب بن عجرة. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
(2) في (أ) والذي فعل هو الواجب واحد لا بعينه".
(3) ساقط من (ب).
(4) أي أن يكون التخيير بين مندوب ومندوب، أو بين مباح ومباح؛ فهذا سائغ.
(5) في (ب) و (ج): "ويأثم على تركه" والمعنى واحد.
(6) في (ج): "لانقلب" حكم الواجب إلى المباح أو إلى المندوب".
(7) في (ب) و (ج): "وكذلك سائر الأحكام".
(8) الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 360.
{193 (
}