باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

يصلي أربع ركعات مع تساويها في كل النعوت؛ فإن ذلك مما لا يُدرك في حكم التكليف. ثم اعلم أن معظم العبادات في الشرع على التخيير، وما من عبادة إلا ويدخلُها التخيير إلا ما يشدُّ ويندر، فإن قيل: فما وجه التخيير في كفارة القتل في حق المقتدر على العتق؟ قلنا: إذا كانت له رقاب تخير في إعتاق أيها شاء، وإن لم تكن تخيَّر في ابتياع أي عبدٍ شاء إذا كان مستجمعاً لشرائط الإجزاء، فإن قيل إذا تعيَّن ردُّ الوديعة فما معنى التخيير فيها مع الإمكان؟ قيل: يردُّها بيمينه أو يساره وهما فعلان متغايران، وكذلك يتوضأ بأي ماءٍ شاء، ويصلي مع ضيق الوقت في أي مكان مع أي لبوس ساتر شاء، فما من عبادةٍ وطاعةٍ إلا ويجتمع فيها ضروبٌ من الخيرة".

شاء،

وقوله: "وما يقضي العقل باستحالته"؛ كالجمع بين القيام والقعود والتشريق والتغريب، والتبعيد والتقريب، وهو ما مثل به الشيخُ في التعجيل والتأخير في النفر من منى. وقوله: "كما لا يصح التخيير بين واجبين"، هذا يحتمل أحد وجهين: إما أن يكون في المثلين المتساويين في كل الصفات فلا يتعلق بهما التكليف؛ لعدم الميز بينهما، وما [وَقَعَ] (1) لا يتميزُ لا يقع تحت الكسب، ولا يكون مقدوراً للبشر، فإذا قلت له: "صل فريضة الصبح (2) ركعتين، أو صلّها ركعتين" فلا يتحققُ الميز بين الصلاتين. وإما أن يخيّره بين فرضين يجب إيقاعُهما متعاقبين؛ كقوله: "صل الظهر أو صل العصر" فهذا ليس بتخيير، إذ لا خيرة له بينهما، كل واحدة واجبة في وقتها، و "أو" ههنا بمعنى الواو لا غير، قال أبو المعالي في التلخيص (3): فاعلم أن الشرع إذا تعلق باقتضاء الإيجاب في أشياء على التخيير مع تساويها في الصفات؛ فما صار إليه المتكلمون ومن يعوّل على مذهبه من الفقهاء أن الواجب ما وَقَعَ التخييرُ فيه واحدٌ لا بعينه، ولا توصفُ كلها بالوجوب، وليس المعنى بقولنا إن الواجب واحد لا بعينه أنه متعين في حكم الله ملتبس علينا، ولكن ما من واحدٍ منها قد أَبَدَلَ سائرها إلا تعلقتْ به براءة الذمة، وذهب الجبائي (4) وابنه (5) في فئة من أتباعهما وشرذمة

(1) ساقط من (ب) و (ج). (2) في (ب) و (ج): "صلاة الصبح". (3) الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 362.

(4) أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي (ت: 303 هـ): من أئمة المعتزلة ورئيس أئمة الكلام في عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية، له مقالات انفرد بها في مذهب المعتزلة نسبته إلى جبى من قرى البصرة اشتهر في البصرة، ودفن بجبي. ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان)، ج 4، ص 267. الذهبي، تاريخ الإسلام)، ج 7، ص 70. الصفدي، (الوافي بالوفيات)، ج 4، ص 55. الزركلي، (الأعلام)، ج 6، ص 256.: 267/ 4.

(5) أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي (ت: 321 هـ)، عالم بالكلام، من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت "البهشمية" نسبة إلى كنيته أبي هاشم، سكن بغداد إلى حين وفاته، وله مصنفات منها: الشامل في الفقه، وتذكرة العالم، والعدة في أصول الفقه. انظر: البغدادي، تاريخ بغداد، ج 11 و ص 56. ابن خلكان، (وفيات الأعيان)، ج 3، ص 183. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 63. الزركلي، (الأعلام)، ج 4، ص 7.

{194)

}