تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣من الفقهاء إلى أن الكل منها واجب، ولا يتخصص بالوجوب واحد منها، حتى قالوا: من حَنَثَ في يمينه وَجَبَ عليه الإعتاقُ والإطعام والكسوة، ولا نقولُ الواجب واحد".
قال المازري في شرح البرهان (1): "الكلام فى هذا من أربعة أوجه أحدها تصوير التخيير، والثاني شروط التخيير، والثالث نقل المذاهب، والرابع سبب الخلاف. فأما تصوير التخيير فإنه يُتصوّر في الضدين؛ كقول الآمر: "قُمْ أو اقعد"، وفي الخلافين الذين ليسا بضدين؛ كقوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ البقرة: 196، وقوله في جزاء الصيد: فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
المائدة: 95 حتى قال: أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا المائدة: 95، وقوله تعالى: فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ المائدة: 89 وفي المثلين كقوله: "صل ركعتين أو ركعتين"، أو "صل قبل قدوم زيدٍ بساعة [أو بعده بساعة] (2) " وزيدٌ لا يُعلم متى يقدم، وهذا القسم وإن تُصوّر الأمرُ به فلا يرد الشرعُ به إلا على القول بتجويز تكليف ما لا يُطاق؛ لأن التكليف يتضمن قصد المكلف إلى ما كُلِّفَه. وأما الشروط فقد ذكرنا ما ذُكر فيها. وأما نقل المذاهب فإن المتكلمين يُعبِّرون عن هذا الفعل فيقولون: الواجب من عبادات التخيير واحد لا بعينه، ففي الحنث [يجبُ] (3) على الحانث إما الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، ولا يُقال هذه الثلاثة واجبة بأسرها، وإنما الواجبُ واحدٌ لا بعينه، والمتكلمون من المعتزلة؛ كالجبائي وابنه أبي هاشم (4)، وأتباعهما من المعتزلة يرون إطلاق القول بأن الجميع واجب، لكنَّ الوجوب يسقط بفعل أحدها، وأما الفقهاء فحذَّاقهم على ما قال المتكلمون، وحُكِي عن بعض أصحاب أبي حنيفة وبعض المتأخرين من أصحاب الشافعي المصير إلى ما حكينا عن الجبائي وابنه أبي هاشم".
[قال المفسر] (): نذكر هنا اعتراضين يتمسك بهما المفيد والمستفيد، فنقول: إن جَمَعَ المُكَفِّرُ بينها وفَعَلَها كلها أو تَرَكَها كلها فبأيها تقعُ براءة الذمة ويسقط العقاب في الفعل؟ وبأيها يتعلقُ العقاب ويجب التأثيمُ في الترك؟ فهاهنا ينقطعُ من قال بإيجاب جميعها (6)، فإن قالوا: برأت الذمة بالجميع،
(1) بحث عن كلام المازري هذا في كتابه "إيضاح المحصول من برهان الأصول" ولم أجده.
(2) ساقط من (ب) و (ج).
(3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) في النسخ الثلاث: "كالجبائي وابنه وأبي هاشم، وكذا الموضع الذي بعده، وهذا تصحيف؛ لأن ابن الجبائي هو أبو هاشم
نفسه، فكيف يعطف عليه، وقد سبقت ترجمتهما قبل قليل.
(5) ساقط من (ج).
(6) في (أ): "فهاهنا يسقط من قال بإيجاب جميعها، وفي (ب): "فهاهنا ينقطع من إيجاب جميعها".
{
195
}