تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧في هذيان طويل. وذهب بعض المنتمين إلى الفقهاء إلى أن الصلاة تجب بأول الوقت، فإن أخَّرت كانت قضاء. والذي صار إليه الشافعي أن الصلاة يتحقق وجوبها في فَسْحِ الوقت (1)، ولا يتخصص وجوبها بأول الوقت، بل تتساوى جملة الأوقات المضروبة في حكم الوجوب، كما تتساوى جملة الأوقات في امتثال الأمر "المطلق" قال المفسر: فكما كان العمر كله وقتاً لتأدية فريضة الحج، فمتى أوقعه المكلَّف في أول العمر أو أوسطه أو آخره فقد أدى الفرض وامتثل الأمر، فكذلك الصلاة في أول الوقت وأوسطه وآخره.
قال أبو المعالي (2): "ثم اعلم أنا إذا فسحنا في تأخير الصلاة من أول وقتها فلا يجوز ذلك الترك إلا ببدل عنه، وهو العزم على فعله في مستقبل الأوقات، بشرط بقاء الصفات المشروطة في التكليف". ويقال لأبي حنيفة وأصحابه من صلى في أول الوقت الظهر بنية الامتثال والأداء فهو مؤدٍ ممتثل أم لا؟ فإن قلتم مؤدٍ ممتثل فكيف يكون ممتثلاً والوجوب غير محقق، والتكليف بها لم يتعلق به إلى الآن، وإن قلتم غير ممتثل ولا مؤدٍ خرقتم الإجماع، ورددتم النصوص، وراغمتم السنة، ولا صائر من أهل الإسلام إلى ما صرتم إليه، وإن قلتم إنه مؤدٍ وممتثل وخارج من عُهدة الأمر يلزمكم ما لا قِبَلَ لكم به، وهو انقضاء آخر الوقت الذي جعلتموه وقتاً للإيجاب والإلزام ومُضيَّه عنه ولم يوقع فيه عبادة هل هو فيه مفرط مقصر مأثومٌ أم لا؟ فإن قلتم هو غير مأثوم وقد مضى آخر الوقت عنه ولم يوقع فيه صلاة هدمتُم أصلكم، وأقررتم بما عليه الجمهور، وصرتم إليه، وإن قلتم إنه مأثوم ملومٌ شنَّعتم وكابرتم، فكيف يكون مأثوماً ملوماً وقد بادر الصلاة وسارع إليها في أول وقتها طاعةً وعبادةً.
قال أبو المعالي (3): "وأما من قال إن الوجوب معلق بأول الوقت، فإن فات ولم يصل كانت بعده قضاءً لا أداءً، فهذا مذهب لا طائل وراءه، فإنا نقول: وإن ترك المكلَّف أول الوقت فهل هو عاص بتركه أم لا؟ فإن الواجب المتعيّن إذا تركه المكلف عصى، فإن قلتم يعصي بترك أول الوقت ولم يوقع فيه الصلاة؛ خرقتم الإجماع المنعقد قبل حدوث هذه المذاهب، وقُطع الكلام عنكم، ولا تفيد مكالمتكم، وإن قلتم إنه لا يعصي بمضي أول الوقت عنه، قلنا: فإن صلى بعد أول الوقت فهل تبرأ ذمته؟ وقد امتثل الأمر أم لا؟ فإن قالوا: نعم، قضاءً لا أداءً، قلنا: قد أسقطتم العصيان عنه، وأقررتم بالامتثال ولم يبق بيننا وبينكم إلا القضاء والأداء، فنحن نقول أداء، وأنتم تقولون قضاء، فالمغالطة في الألفاظ، فلا مشاححة في الألفاظ إذا سلمت المعاني". والله أعلم.
(1) أي في جميع الوقت، من أول جزء منه إلى آخر جزء منه.
(2) ينظر: الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 350.
(3) نقل كلام أبي المعالي بتصرف ينظر الجويني، التلخيص)، ج 1، ص 354.
{199)