تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨الأمر المطلق هل هو على التراخي أو على الفور؟] (1)
مسألة واختلفوا في الأمر المطلق؛ هل هو على التراخي أو على الفور؟ ففيها جوابان؛ بعض الفقهاء يقول بالتراخي، وبعضهم يقول على الفور، والقول الأول أصح، وحجته: أنه كما يصلح أن يفعله في كل الأمكنة كذلك يصلح أن يفعله في كل الأزمنة، ولا يتعين عليه زمان ولا مكان إلا ببيان، وقالوا في الحج إن كل موسم له موسم، وحجة الآخرين: إجماعهم على جواز فعله عقيب الأمر، فمن ادعى جواز تأخيره (2) عن ذلك فعليه الدليل، ودليل آخر جواز الموت عليه، إن كان عاصياً صح أنه على الفور، وإن لم يكن عاصياً كان ندباً، ولا ثالث لهما، وجواب الآخرين: الامتثال عند غلبة الظن أنه يموت أو يفوت؛ كالحج، وتعليم الصبيان القرآن وأمر دينهم، وتأديب الأهل، أمر مأمور به كالحج، وهو واسع ما دام يغلب على ظنه أنه يُدركه، كذلك قضاء الديون المؤجلة والمعجلة، فإن فاجأه الموتُ فالوصية تنوب مناب التضييع والأشعرية تقول بالوقف، ويلزمها على أصولها ألا يقطعوا، وأما أبو حنيفة فيقول بالتراخي إلى الموت، وإن حضره الموت فلا فرض، هذا نوع من الندب، والصواب أن يكون الجواب بين هذين، أن يكون على التراخي، وهو اللائق برأفة الله تعالى فإن حضره الموتُ فالوصية تنوب عن المعصية (3).
(1) العنوان من وضع المحقق.
(2) في النسخ الثلاث فمن ادعى جوازه وتأخيره. ويبدو أنه تصحيف وسيأتي في الشرح ما يدل على ذلك. (3) الخلاصة في الأمر المطلق هل يفيد الفور أم التراخي؟ أما القائلون بأن الأمر المطلق يفيد التكرار فهؤلاء يقولون بالفور لأنه من ضرورياته، وإنما الكلام مع القائلين بأنه لا يفيد التكرار. وقد اختلف المسلمون في ذلك على مذاهب؛ أحدها: أنه لا يفيد الفور ولا يدفعه، وهو قول معظم الشافعية، وينسب الى الشافعي نفسه، وهو اختيار صاحب المتن هنا، كما يدل على ذلك معنى كلامه، وبهذا القول أيضا قال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وأبو الحسين البصري من العتزلة، واختاره الغزالي، والفخر الرازي وأتباعه؛ كالبيضاوي، والآمدي، وابن الحاجب، واختاره البدر الشماخي، وهو المنقول عن القاضي الباقلاني. الثاني: أنه يفيد الفور، وبه قالت الحنفية، وقد نسب إلى أبي حنيفة نفسه، وهذا يخالف ما نقله عنه هنا صاحب المتن، وممن اختار هذا المذهب من الشافعية القاضي أبو حامد المروزي، وأبو بكر الصيرفي، وهو مذهب داود، ومعظم الحنابلة. الثالث: أنه يفيد التراخي، كذا أطلقه جماعة، وقال بعض المحققين من أهل الأصول إن هذا الاطلاق مدخول؛ إذ مقتضاه أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي حتى لو فُرض الامتثال على البدار لم يعتبر به وليس هذا معتقد أحد، ونقل ابن السمعاني في القواطع القول بالتراخي عن ابن أبي هريرة، وأبي بكر القفال، وغيرهما. ثم قال: إن معنى قولنا أنه على التراخي أنه ليس على التعجيل. قال السبكي وعلى هذا التفسير فهذا المذهب هو المذهب الأول بعينه الرابع الوقف، إما لعدم العلم بمدلوله، أو لأنه مشترك بينهما، ثم افترقت الواقفية، منهم من قال إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلا قطعا، وإن أخر عن الوقت الأول لا يقطع بخروجه عن العهدة، واختاره إمام الحرمين في البرهان، ومنهم من قال إنه وإن بادر إلى فعله في أول الوقت لا يُقطع بكونه ممتثلا، وخروجه عن العهدة لجواز إرادة التراخي. للتفصيل أكثر في هذه المسألة ينظر: الجصاص، (الفصول في الأصول)، ج 2، ص 105. الباقلاني، التقريب والإرشاد، ج 2، ص 208. أبو الحسين البصري، (المعتمد)، ج 1، ص 120. أبو يعلى، العدة في أصول الفقه، ج 1، ص 281. الشيرازي (التبصرة)، ص 52. الشيرازي=
{
200