باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

الشرح: قال المفسر عادة أهل الأصول يجعلون للفور والتراخي باباً يترجمون عليه بذلك، ويضعونه مشتملاً على فصول متضمنة مسائل جزئية، مثل العبادات المستغرقة للأوقات والعبادات التي لا تستغرق أوقاتها، ونرى الشيخ تجانفَ عن ذلك وعكس فيه القضية، ولا عرَّفَنَا مرامه في ذلك. قال ابن رشيق في شرح المستصفى (1): "زعم قوم أن مطلق الأمر يقتضي الفور، وذهب آخرون إلى أنه لا يقتضيه، وتوقف الواقفية، والمختارُ أنه يقتضي الفعل فقط؛ فإن التخصيص بزمان مبادراً كان أو مؤخراً لا يدل عليه الفعل، وقد كان المكلف قبل ورود الخطاب بريء الذمة من موجبه، ولما ورد تعيَّن عليه امتثال، موجبه، وليس في اللفظ سوى طلب إيقاع الفعل، واحتمل أن يريد به زماناً خاصاً، كما احتمل أن يريد بلفظ الرقبة في طلب الإعتاق رقبة خاصة، وذلك لا يمنع الخروج عن موجب اللفظ في طلب العتق بعتق من أوقع عتقه، كذلك هذا".

قال المفسر: الأمرُ في العبادة على ثلاثة أوجه أمرّ بعبادة مكررة مستوعبة للأوقات كلها؛ كالإيمان بالله، لا يصح فيه التراخي؛ لأن تقدير التراخي فيه يُخرجه عن الاستيعاب ويقطعه عن الاستدامة، وأمرّ بعبادة واحدة أو متعددة موقت بوقت مخصوص بها؛ كالصوم، فوقتها المخصوص بها يمنع التراخي والفور (2)، وأمرّ بعبادة لم يُضرب لها وقت ولم تخصص بزمان، فهو الأمر المطلق، وهو الذي فيه يجيء الفور والتراخي.

قال المفسر: معنى الفور المسارعة والمبادرة إلى الامتثال عَقِبَ الأمر في أول حال الإمكان، وأما التراخي فيسبق إلى الفهم منه منعُ المسارعة والمبادرة إلى الامتثال في أول حال الإمكان، وهذا باطل، ولم يصل إليه أحد من الأصوليين، ومراد الأصوليين بهذه اللفظة جواز تأخير الامتثال عن أول الوقت؛ إذ ليس في لفظ الأمر بها غيرُ طلب إيقاع الفعلِ واقتضائه خاصة، وجميع الأوقات وقت له، فمتى ما أوقعه فقد امتثل وخرج عن عُهدة الأمر، فافهم هذا ففيه فائدة الفور والتراخي، فأكثر الناس لا يُحقِّقُون لهما معنى، ولا يعرفون لهما محلاً.

=

(اللمع)، ص 15. الجويني (البرهان)، ج 1، ص 75. الجويني (التلخيص)، ج 1، ص 337. السمعاني، (قواطع الأدلة)، ج 1، ص 75. الرازي، المحصول)، ج 2، ص 113. الآمدي، (الإحكام)، ج 2، ص 381. السبكي، الإبهاج)، ج 2، ص 58. الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف)، ص 249.

(1) ابن رشيق، لباب المحصول في علم الأصول)، ج 2، ص 531.

(2) أي لا تتوجه عليه قضية التراخي أو الفور؛ لأن الأمر بالصوم مثلا يستغرق الوقت كله من أول جزء من النهار وذلك بطلوع الفجر الصادق، إلى آخر جزء منه وهو غروب الشمس، فلا يتأتى فيه معنى الفور أو التراخي.

{201)