باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

القضاء هل يجب بالأمر الأول أم بأمر ثان؟ (1)

مسألة: اختلف الناس فى قضاء الفوائت؛ قال بعضهم: لا يجب إلا بأمر ثان، وقال بعضهم واجب بالأمر الأول أو قياساً عليه (2). وحجة الأولين أن تعليق الفعل بوقت معين كتعليقه بشخص معين، فكما لا يجب قضاؤك في شخص معين (3) فكذلك لا يجب القضاء عليك في وقت معين (4)، واستدل الآخرون بأن الدين لا يسقط بمضي الأجل، فالعبادة أولى ألا تسقط (°) بمضي الوقت، ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أحق ما وفيتم به دين الله تعالى). وقال آخرون: إن العلة في الدين أنه واجب في كل الأوقات، في الأجل وبعده، وإنما تأجيله ترك المطالبة، ولا يسقط الدينُ بفوات الأجل ولا بفوات الغريم ولا المدين (6)، والورثة بمقامهما، والعبادة (7) إنما تجب إلى الوقت المحدود، والدين واجبٌ أبد الآباد، وقد ورد القضاء بأمرٍ ثانٍ في عبادات؛ كالصلاة والصيام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (من) نام عن صلاة أو نسيها

(1) العنوان من إضافة المحقق.

(2) صورة المسألة فيما إذا ورد خطاب من الشارع بفعل عبادة في وقت معين فخرج ذلك الوقت ولم يأت المكلف بالعبادة، فهل يجب عليه القضاء بأمر جديد ابتداء أم يجب بالأمر الأول؟ في المسألة قولان؛ القول الأول: أن الأمر الأول لا يتضمن ولا يستلزم الأمر بالقضاء، والقضاء إنما يجب بأمر مجدد، وعليه أكثر الشافعية، منهم أبو بكر الصيرفي وابن القشيري، وصححه أبو حامد الأسفراييني وأبو إسحاق الشيرازي، ونقل عن أبي عبد الله البصري من المعتزلة، وعن الكرخي من الحنفية، واختاره بدر الدين الشماخي. ووجه هذا القول أن تعلق الخطاب بإيقاع العبادة في وقت معين يقتضي منه توقيت الأمر بذلك الوقت المعين، فإذا انقضى الوقت فليس في الأمر بالأداء أمر بالقضاء، فلا بد من أمر ثان القول الثاني: أن الأمر بالقضاء يجب بالأمر السابق، ذهب إلى ذلك الحنابلة، وأكثر الحنفية كالسرخسي والجصاص وغيرهما، وبه قال عبد الجبار وأبو الحسين من المعتزلة. ينظر: أبو يعلى العدة) في أصول الفقه، ج 1، ص 294. الجويني، (البرهان)، ج 1، ص 88. السمعاني، (قواطع الأدلة)، ج 1، ص 92. الآمدي (الإحكام)، ج 2، ص 392. الطوفي، (شرح مختصر الروضة)، ج 2، ص 395. البخاري، عبد العزيز بن أحمد بن محمد البخاري الحنفي (ت: 730 هـ)، (كشف الأسرار شرح أصول البزدوي)، بدون طبعة دار الكتاب الإسلامي، بدون تاريخ، ج 1، ص 139. الزركشي، البحر المحيط)، ج 2، ص 402. الشماخي، (شرح مختصر العدل والإنصاف)، ص 253. السالمي، (طلعة الشمس)، ج 1، ص 134.

(3) أي أن الأمر إذا تعلق بفعل يختص بشخصٍ، لم يُستفد منه تخصيصه بشخص آخر، وكذلك إذا اقتضى تخصيصاً بمكانٍ لم يُستفد منه إيقاعه بمكانٍ آخَر، فكذلك الحكم في الوقت. كذا فسره الشارح، وسيأتي نص كلامه.

(4) في (ب) و (ج): فكذلك لا يجب قضاؤك على وقت معين".

(5) في (أ): "لأن العبادة أولى ألا تسقط"، ويبدو أنه تصحيف.

(6) في (ب) و (ج): "ولا المديان".

(7) في (ب) و (ج): "والعبادات" بصيغة الجمع.

205

}