تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦البقرة: 144، ومثله كثير، مثل قوله: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ النحل: 125،
فالأمة داخلة معه فيه من طريق التأسي والاقتداء لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ
الأحزاب: 21، ولو كان انفراده بذلك أولى من طريق اللغة، حيث لا دليل على دخول الأمة معه (1) إلا من جهة المعنى، وهو ما أشار إليه في قوله: "إلا أن الشرع قد ورد بالاقتداء به واتباعه"، وكذلك قوله: "والدليل على ما قلناه اقتفاؤُهم آثاره في أفعاله"، وإن كان إنما قَصَدَ بالخطاب إلى قسم الأفعال دون الأقوال ففيه تفصيل يطول، وله موضع نتكلم عليه فيه - إن شاء الله- في العموم والخصوص في الجزء الثاني. غير أن أفعاله لها أحكام؛ منها الواجب الذي يجب دخولُ غيره فيه، ومنها الندب، ومنها المباح له وهو ممنوع عن غيره؛ مثل المواصلة، وترك العدالة بين الأزواج (2)، وغير ذلك، ومنها المباح له ولغيره؛ مثل التقبيل للصائم، والكلام في هذا في أحكام أفعاله -صلى الله عليه وسلم-.
(1) في (ب) و (ج): "لا جهة للدليل على دخول الأمة معه … إلخ"، ويظهر أن في الكلام تصحيفا.
(2) بناء على مدلول قوله تعالى ترجي" من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك" (الأحزاب: 51)، ففي هذه الآية دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ملزما بالعدالة بين أزواجه، غير أنه جاء في السنة ما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم- كان يعدل بينهن من تلقاء نفسه، ففي الحديث الذي أخرجه الحاكم أبو داود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، وكان -صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه يطاف به محمولا على بيوت أزوجه من أجل أن يعدل بينهن، إلى أن استأذنهن بعد ذلك أن يقيم في بيت عائشة، قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء" ما نصه: "والمعنى المراد: هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في أزواجه، إن شاء أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك. فخص النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعل الأمر إليه فيه، لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون فرض ذلك عليه، تطييبا لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل: كان القسم واجبا على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية. القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي (ت:671 هـ)، (الجامع لأحكام القرآن)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط 1، مؤسسة الرسالة بيروت، (1427 هـ 2006 م)، ج 14، ص 190.
218
{218 (
}