باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

الصلحُ وكُتِبَ الكتاب هربت امرأة من الكفار مسلمة (1)، فامتنع المسلمون من ردها، وقالوا: إن الصلح لا يجري على النساء؛ لأنهن لم يجر عليهن ذكر في الكتاب، فقال سهيل حكم النساء تبع لحكم الرجال، وأبى المسلمون، وقالوا: إن خطابنا وخطاب النساء في كتابنا مفترق وخطابهن مخالف لخطاب الرجال، وقد انفرد كل بخطابه، قال الله عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ

وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأحزاب: 35 إلى آخر الآية، فلما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تظاهر المسلمين وتحرُّبَهم واجتماعهم على ذلك، قال لسهيل بن عمرو: (إن شئتَ رددناها عليك جَذَعَة) (2)، فأمضى سهيل الصلح، فخرج النساء من خطاب الرجال، لكن الأمة قد نصرت شمول الخطاب لهن مع الرجال إلا في أمور مخصوصة، والله المستعان.

الشرح: قال المفسر: تكلم أبو المعالي على هذه المسألة كلاماً مفيداً فقال (3): "فإن قيل: الخطاب الواحد هل يشمل الذكور والإناث؟ قيل: نتبع في ذلك وضع اللغة، فإن وردت لفظةٌ وُضعت بالتخصيص للرجال خُصت بهم، وإن وردت مشتركة حملناها على الاشتراك، وذلك نحو قول القائل: "كل نفس"، و"كل شخص"، فهذا مما يعم الرجال والنساء، فإن قيل: فما قولكم في "المؤمنين، والمسلمين"؟ هل يتناول النساء؟ قيل: هذا مما اختلف فيه العلماء، فصار بعضهم إلى أن الجمع الموضوع للرجال ينطوي على الإناث أيضاً، والذي ارتضاه الشافعي ومعظم أرباب اللغة أن مثل هذا اللفظ إذا ورد مطلقاً خُصص بالرجال في مورده، إلا أن تقوم دلالة تقتضي الاشتراك، والذي يحقق ذلك أن العرب فصلت في منزلة الوحدان بين الذكر والأنثى، وكذلك في منزلة التثنية، فقالوا: مسلم ومسلمان، ومسلمة ومسلمتان ثم خصصوا جمعهن بصيغة فقالوا: مسلمات، فكذلك خصَّصوا جمع الذكور فقالوا: مسلمون، والجمع إنما هو جمع الأحاد، فإذا اتضح التباين في صيغ الأحاد اتضح في جمعها، واستشهد الشافعي بقوله تعالى: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِضِ

الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ الأنفال: 65، فصار إلى أن المقصود في الآية الرجال دون النساء، وصحح

(1) الذي في البخاري كما سيأتي تخريجه أن المرأة التي جاءت مهاجرة ولم يردها رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلى الكفار هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط والذي ذكره الشارح كما سيأتي أن المرأة المهاجرة كانت سبيعة بنت الحارث الأسلمية، وسوف تأتي ترجمتها عند الشرح، ويظهر أنه قد هاجر بعد الصلح أكثر من امرأة.

(2) لم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري ومسلم بلفظ مختلف. البخاري (4180)، كتاب المغازي: باب عزوة الحديبية، من طريق عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة. ومسلم (1784)، كتاب الجهاد والسير: باب صلح

الحديبية، من حديث أنس بن مالك.

(3) الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 404.

{228)

}