تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧ما نقله بما روي أن أم سلمة قالت يا رسول الله ما بال الرجال يُسمون في القرآن دون النساء؟، فأنزل الله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ الأحزاب: 35 الآية (1). فإن قيل: أليس من قول أهل
اللغة أن من أراد أن يعبر عن الذكور والإناث عبر عنهم بما يُعبَّر به عن محض الذكور؛ تغليباً للذكور في حكم الخطاب على الإناث، قيل: صح ما قلتُموه عن أهل اللغة، وليس لكم فيه قدح، وفي نفس ما نقلتموه الرد عليكم، فلو كان اللفظ ينطوي عليهن انطواءه عليهم لم يكن لذكر التغليب المنقول عنهم معنى، فيحصل من ذلك أن العهد إذا ثبت في جمع (2) النساء والذكور وأراد المخاطب العبارة عن الجميع غلَّب نعت الذكور، ولا يصح عنهم أن مطلق اللفظ في جمع الذكور يُنبئ عن الإناث على الوجه الذي يُنبئ فيه عن الذكور، ومن أحاط علماً بطرفٍ من اللغات استيقن ما قلناه"، والله أعلم.
وقد نبه الشيخ رضي الله عنه - على لُبَاب المسألة (3) بقوله: "الخطاب للأفضل لغة ومعه المفضول معنى"، فهذه هي نقطة الدائرة، يعني أن المخاطب إنما يقصد بخطابه ويواجه بقوله ولسانه إلى الفاضل تشريفاً وتغليباً له على المفضول، وفي معناه أنه خاطَب المفضول مع الأفضل، لا أنه اعتمد خطاب الأفضل وحده ولو أفرده بالخطاب، فيكون الأفضلُ مخاطباً في اللفظ والمعنى، ويكون المفضولُ مخاطباً في المعنى، واللغة هنا هي اللفظ واللغة الثانية هى كلام العرب المعهود بينهم، والشرع واقع على اللغة بالحكم، وقد وقع الشرعُ على اللغة ونقلها عن موضوعها إلى أحكامٍ مخصوصة ومعان معروفة، والحكم للطارئ، وقصة الحديبية والصلح مشهور، وفيها نزلت سورة الفتح الكبيرة (4)، رجع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم منها ولم يدخل مكة، ونحر وحلق هناك، ومن قابل خرج إلى عمرة القضاء، ومكث في مكة هو وأصحابه حتى قطعوا مناسك عمرتهم،
(1) أخرجه أحمد بن حنبل (26575)، مسند النساء: حديث أم سلمة. والحاكم في المستدرك (3560)، كتاب التفسير: تفسير سورة الأحزاب. ولفظه عند الحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها-، قالت: قلت: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء. فأنزل الله عز وجل "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" (الأحزاب (35) الآية. وأنزل "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى" آل) عمران (195). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". (2) في (ب): "في جميع"، وكذا الموضع الذي بعده، ويبدو أنه تصحيف.
(3) في (ب): "على الباب المسألة" وهو تصحيف.
(4) سورة الفتح الكبيرة هي قوله تعالى: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" السورة كلها، وسورة الفتح الصغيرة هي قوله تعالى: "إذا
جاء نصر الله والفتح" السورة كلها.
(229)
}