تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧بالمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الصفات التي تفيد بها الخطاب (1) يستحيل تحقيقها إلا في موجودٍ متعين، فإن قيل: ما الدلالة التي يُقطع بها على دخول من بعدهم في الخطاب المتوجه عليهم؟ قلنا: إجماع المسلمين قاطبةً على أن ما سبق من الخطاب في عصر الرسول -عليه السلام- متوجة على أهل عصره كافة خطاباً ومواجهة وهم مندرجون تحت قضيته، إذ لو نقل ذلك أدى خلافه إلى قصر الشرع على الذين انقرضوا ودرجوا (2)، فعدينا الخطاب من السلف إلى الخلف لإجماع المسلمين على ذلك.
فإن قيل: فلو خاطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - واحداً من أهل عصره وسماه (3) مثلاً باسمه؛ فهل يتعدى الحكم منه إلى غيره؟ قلنا: ظاهرُ الصيغة تقتضي تخصيص الخطاب المخصص به، فإن قامت دلالة على تعديته إلى غيره عُدي إليه، فإن قيل: فهل تُجرون ذلك مجرى تعدية الخطاب من أهل العصر الأول إلى أهل العصر الثاني؟ قلنا: قد ثبت إجماع في المسألة الأولى فاعتصمنا به، ولم يثبت في المسألة الثانية إجماع، فقد يخاطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم- واحداً [ويريد] (4) به تعميم الكافة، وقد يريد التخصيص على قضية ظاهر اللفظ، فلما انقسمت ألفاظه () في ذلك لزم التمسك بظاهر التخصيص، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن خطاب الواحد خطاب الكافة تمسكاً بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِلنَّاسِ سبا،28، فهذا دليل على تعميم كل ما
أرسل فيه قلنا لا، بل هذا يدل على أنه رسول إلى الكافة، فأما أن يدل على استوائهم في كل الأحكام فلا، وأنى يستقيم والأحكام متباينة في موارد الشريعة؟! وربما تمسك القائل بما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خطابي للواحد خطابي للكافة) (6)، قلنا: هذا عُرضة التأويل، فلعله أراد أن أمره كما يلزم الواحد يلزم الكافة، فإن قيل: فلو أراد التخصيص لنصَّ عليه كما نصَّ في التضحية بما دون الجَذَع (3)، فقال: يجزي عنك ولا يجزي.
(1) الكلام هنا عن الأوامر، والتقدير: فإن الصفات التي تفيد الأوامر بها الخطاب يستحيل تحقيقها إلا في موجود متعين. (2) هذه العبارة غير سليمة، ويبدو أن فيها تصحيفا، ولعل الصواب أن يقال: إذ لو نقل خلاف ذلك أدى إلى قصر الشرع
على الذين اندرجوا وانقرضوا. (3) في (ب): "وسيماه" وهو تصحيف. (4) ساقط من (ب).
(5) كأن المعنى على تقدير محذوف، وتقدير الكلام مثلا: فلما انقست معاني ألفاظه في ذلك لزم التمسك بظاهر التخصيص (6) لم أهتد إلى تخريجه.
(7) الجَذَع من البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل أقل منها. ينظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث)، ج 1، ص 250.
(239 (
}