باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

شرائط التكليف من صحة العقل وفهم الخطاب حتى يخرج منها؛ فحينئذٍ يجب عليه اعتقاد الوجوب والامتثال والعلم بأنه أداها على الوجه المأمور به، قالوا: ومن شروط الأمر إمكانُ المأمور، وتمكنه من فعل المأمور به، ولا يتحقق ذلك في المأمور إلا بعد إيقاع المأمور به والافتصال منه؛ لأنه ربما يعرض له عارض يمنعه منه فيكونُ اعتقد باطلاً وعَلِمَ محالاً، وهو باطل؛ إذ فيه تسبيق وجود المشروط قبل الشرط، وهو باطل، وفاقاً، والعارض مثل الموت، وزوال العقل، والعجز، وكل حالةٍ تُنافي التكليف. فأجابهم الأشعرية بأنا لا نسلم لزوم تقديم المشروط قبل الشرط في المسألة، فإن المطلوب في نفسه ممكن، وهو من جنس ما يتعلق به قدرةُ المكلف، ويدخل تحت وسعه وكسبه، وهذا يتحقق عند [ورود] (1) الأمر به؛ فإن انقضاء الوقت لا يُحدثُ للفعل حكم إمكان، ولا للفاعل صفة تمكَّن، فلم يلزم تقديمُ الشرط على المشروط (2).

شبهة ثانية للمعتزلة على الأشعرية، قالوا: يستحيل الطلب ممن يعلم امتناع وجودِ المطلوب، فكيف يُتصور أن يقوم بذات السيد طلب الخياطة من عبده إذا صعد إلى السماء، وهو يعلم استحالة صعوده السماء، فإذا عَلِمَ الله سبحانه موتَ العبد قبل وقت العبادة فكيف يطلبُها منه؟ وكيف يمكن المكلَّف مع ذلك أن يعلم أنه مأمور بها؟ جواب الأشعرية: لا نسلم قولكم "يستحيل" الطلب ممن يعلم امتناع وجود المطلوب؛ فإن الرب جلت قدرته وعزَّ اسمُه طَلَبَ من أبي جهل وسائر الكفار الإيمان وقد عَلِمَ امتناعه منهم، وخلافُ المعلوم مقدور، والإيمان مقدور لأبي جهل لو ترك الكفر، والإيمان مما يدخلُ تحت وُسعه واكتسابه لو قصده، والفعل ممكن في نفسه، وعِلمُ استحالة وقوعِه ليس هو مطلوباً ولا مكلَّفاً ولا مأموراً به، بل الطلب والتكليف والأمر إنما تعلق بإيقاع الفعل واكتسابه، وذلك يدخلُ تحت وُسع المكلف وطاقته واستطاعته، ويقطع به مع ورود الأمر به، وليس استحالة وقوعه من المكلف مما يتعلق بالتكليف والأمر، فيعلم المكلف عند ورود الأمر وتعلق الخطاب به أنه مأمور، فإن قَصَدَ العبادةَ وعَزَمَ عليها بصدق النية وصدق العزيمة على امتثالها وتلبس بها فهو ممتثل الأمر، وإن عاقه عائق عنها مما سبق في علم الله؛ مثل الموت والجنون وعدم القدرة، فليس ذلك مما يُوجب أنه عَلِمَ محالاً أو اعتقد باطلاً، بل علمه واعتقاده إنما هو بحسب [صدق] (3) العزيمة وإخلاص النية والغالب على ظنه قال المفسر: فهذه زُبدة المسألة

ولبابها عندنا وعند الأشعرية

(1) ساقط من (ب).

(2) في (ج): "تقديم المشروط على الشرط".

(3) ساقط من (ب).

﴿YEY﴾

247