تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨بعض أئمتنا لأنه طاعة، فله الأجرُ ولا وِزرَ في الترك، وإن قلنا: إنه مباح فالمباح هو المخيَّر فيه بين الفعل والترك، ولا ثواب ولا عقاب إلا على قول بعض القدرية أن المباح مأمور به، ولم يُتابعوا عليه، وهو قول أبي القاسم الكعبي (1) وأشياعِه من المعتزلة (2)، وإن قلنا: إن فعله منهي عنه من أجل إبطال الأعمال؛ لقوله تعالى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُم: محمد 33؛ فكيف يسوغ مأموراً منهياً؟ والأمر يستدعي الطاعة، والنهي يستدعي العصيان، فيكون طاعةً ومعصيةً، طائعاً عاصياً، مثاباً
معاقباً.
وقالوا: من أصاب امرأته وهو محرم بالحج فعليه دم، فيرجعُ ويُحرمُ ويُتمُّ حجَّه، وعليه الحج من قابل (3). وإعادة العمرة مع العزم على الإعادة (4) أهو فرض أو ندب أو مباح أو حرام؟ على حسب ما ذكرنا في المسألة، فإن قلنا: إنه مأمورٌ، فالأمر لا يعدو: حالين وجوباً وحتماً، أو ندباً ونفلاً، أو على مذهب القدرية في المباح. وقالوا في المشرك يُسلم نهاراً، والصبي يحتلم، والمرأة تطهر نهاراً في رمضان، والمريض يصح، والمسافر يقدم، والمجنون والمغمى عليه يفيق؛ أنهما يؤمران (5)
(1) أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني (ت: 319 هـ)، من أهل بلخ إحدى مدن خراسان، أحد أئمة المعتزلة، وإليه تنسب طائفة منهم تسمى "الكعبية"، له آراء ومقالات في الكلام انفرد بها أقام ببغداد مدة طويلة، وتوفي ببلخ، له جملة كتب منها: "التفسير الكبير"، و"قبول الأخبار ومعرفة الرجال"، و "أدب الجدل"، و"تحفة الوزراء"، وغيرها. ينظر: البغدادي، (تاريخ بغداد، ج 9، ص 392. ابن خلكان، (وفيات الأعيان)، ج 3، ص 45. الذهبي، (تاريخ الإسلام)، ج 7، ص 355. الذهبي، (سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 313. الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 17، ص 17. الزركلي، (الأعلام)، ج 4، ص 65. (2) في نسبة هذا القول إلى الكعبي وأتباعه ينظر الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 251. الغزالي (المستصفى)، ص 108. ابن العربي، (المحصول)، ص 65. الرازي (المحصول)، ج 2، ص 207. الآمدي، الإحكام)، ج 1، ص 100. (3) ينظر: الشماخي، أبو ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي (ت:792 هـ)، (الإيضاح)، ط، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، (1420 هـ 1999 م، ج 2، ص 270. الشقصي، خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي الرستاقي (ق: 11 هـ)، (منهج الطالبين وبلاغ الراغبين) تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، بدون طبعة، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، بدون تاريخ، ج 7، ص 98 اطفيش، محمد بن يوسف بن عيسى اطفيش (ت: 1332 هـ)، (شرح كتاب النيل وشفاء العليل)، ط 3، مكتبة الإرشاد - جدة، (1405 هـ (1985 م، ج 12، ص 505. ويفهم من عبارة صاحب الإيضاح أن في المسألة خلافا أي في لزوم إتمامه للمناسك بعد أن أفسد حجه، ونص عبارته- بعد أن قرر وجوب البدل على من أفسد حجه أو عمرته قال: "وقال بعض: إذا أفسد حجه مضى عليه حتى يتمه، ولم يخرج منه بالفساد، وعليه القضاء أو الهدي في الفاسد من عام قابل".
(4) هنا ينتهي السقط الكبير الواقع في النسخة (أ)، والذي سبقت الإشارة إليه فيما مضى.
ومما
(5) كذا في الأصل، بصيغة التثنية، ولعل الصواب أنهم يؤمرون بالكف بقية اليوم. ومن العلماء صرح باستحباب ذلك، يروى عن الإمام جابر بن زيد أنه قدم من سفر في رمضان فوجد امرأته قد اغتسلت من الحيض فجامعها. فهذا الأثر يدل أن جابر بن زيد لم يكن يرى وجوب الإمساك على المسافر إن رجع إلى وطنه في نهار رمضان، ولا على المرأة إن طهرت=
{250)