تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢وكذلك يتعين التأكيد في النوافل بعضها على بعض، وفي الترك لها بعد التمرن والمداومة عليها، وهو معنى "الالتباس" الذي ذكر (1)، وهو كمن واظب صيام البيض وشهر الصبر (2) وغيره مخافة أن تشتد مَيْعَتُه (3) وهيجانُه، فالتركُ حرام عليه؛ لئلا يقع في الفتنة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه
(1) أي الذي ذكره صاحب المتن في قوله: "والنوافل قبل الالتباس بها نوافل، وبعد الالتباس أيضا، إلا أنه قد وجب الإتمام واتقاء النقض والنقص". والذي فهمته من كلام صاحب المتن أن الالتباس بالعبادة معناه الدخول والشروع فيها، فمن التبس بالنوافل أي شرع ودخل فيها وجب عليه إتمامها، ويحتجون لذلك بقوله سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا يبطلوا أعمالكم" (محمد:33).
(2) يعني به هنا شهر رجب الحرام، والأصل أن شهر الصبر هو شهر رمضان، وقد وردت في شهر الصبر روايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما رواه أبو داود عن مجيبية الباهلية عن أبيها أو عمها، وعند ابن ماجة قال: عن أبي مجيبية الباهلي عن أبيه أو عن عمه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول، قال: (فما لي أرى جسمك (ناحلا؟ قال: يا رسول الله ما أكلت طعاما بالنهار ما أكلته إلا بالليل قال: (من أمرك أن تعذب نفسك؟ قلت: يا رسول الله إني أقوى، قال: (صم شهر الصبر، ويوما بعده قلت: إني أقوى، قال: (صم شهر الصبر، ويومين بعده) قلت إني أقوى، قال: صم) شهر الصبر، وثلاثة أيام بعده، وصم أشهر الحرم). وقد حكم العلماء بضعف هاتين الروايتين لجهالة مجيبة الباهلية أو أبي مجيبية أخرجه أبو داود (2428)، كتاب الصوم: باب في صوم أشهر الحرم. وابن ماجة (1741)، كتاب الصيام باب صيام أشهر الحرم. وهناك رواية أخرى عند النسائي في السنن أخرجها من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (شهر) الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر). أخرجه النسائي (2408)، كتاب الصيام ذكر الاختلاف على أبي عثمان في حديث أبي هريرة في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وبغض النظر عن كون هذه الرواية صحيحة وتلك ضعيفة، إلا أن جميع شراح الحديث الذين اطلعت على كلامهم فسروا شهر الصبر بأنه شهر رمضان والغريب أن الناس معنا تعارفوا على أن شهر الصبر هو شهر رجب المحرم، ومنهم من يحافظ على صيامه كله أو أكثره من كل عام، ولعل بعضهم يحتج على مشروعية صيامه بمثل هذه الروايات التي سبق ذكرها. أما عن مشروعية صيام شهر رجب فقد فصل نور الدين السالمي المسألة في كتاب المعارج، وذكر أدلة من يقول بالمشروعية ومن يقول بخلاف ذلك، وذكر ما اعترض به کل فريق منهم على الآخر. ومما قاله في جوهر النظام:
وهكذا يقال شهر الصبر … في صومه قيل عظيم الأجر
وذاك شهر رجب وذكروا … له أحاديث به تؤثـ لكنها ضعيفة الإسن ياد … وبعضهم بوضعها ينادي
ينظر الخطابي، أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت: 288 (هـ)، (معالم السنن)، مطبوع ضمن مختصر سنن أبي داود، تحقيق: كامل مصطفى الهذاوي، ط 1، دار الكتب العلمية - بيروت، (1421 هـ (2001 م)، ج 2، ص 347. ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي (ت: 463 هـ)، (الاستذكار)، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض، ط 2، دار الكتب العلمية بيروت، (1423 هـ 2002 م)، ج 3، ص 376. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت:911 هـ)، (سنن النسائي بشرح السيوطي)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط 2، مكتب المطبوعات الإسلامية- حلب، (1406 هـ - 1986 م)، ج 4، ص 218. السالمي (معارج الآمال، مصدر سابق، ج 17، ص 1222. السالمي، أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي (ت:1332 هـ)، (جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام)، علق عليه: أبو إسحاق اطفيش، وإبراهيم العبري، ط 11، مطبعة الألوان الحديثة - مسقط، (1410 هـ 1989 م)، ص 141.
(3) المَيْعَة: النشاط والحركة. والميعة: أول الشباب، وذلك إذا ترعرع وتحرك ينظر الجوهري، (الصحاح)، مادة "ميع"، ص 1106. ابن فارس (مقاييس اللغة)، مادة "ميع"، ج 5، ص 290.
{254)