تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦وكذلك تكليف ما لا يطاق، وبعضُ السنية يجيزون تكليف ما لا يطاق عقلاً وشرعاً، ويستدلون عليه بقوله تعالى: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} البقرة: 286، قالوا: لو لم يكن جائزاً لما أمروا بالاستعفاء منه (1)، وكذلك تكليف المحال جائز عقلاً عند بعض السنية لورود الشرع به، وكذلك القدرة على الفعل هي من أفعال الله ولا يقع الفعل إلا بها، ولا تدخل تحت وسع العبد وكسبه، فلا يجوز أن يقال: العبد مأمور بإيجاد القدرة التي لا يتم الفعل إلا بها، ومن أفعال الإنسان ما لا يتم إلا بفعل يكون قبله، وهو: قسمان: قسم منه لا يدخل تحت كسب الإنسان، وهو مثل ما ذكرناه من أفعال الله المختصة به، وقد ذكرناه.
والوجه الثاني من مقدمات الأفعال: ما هو مقدور للعبد، فيكون الأمرُ بموجبه (2) أمراً به، وذلك نحو الاستطاعة في الحج إن قلنا إنها زاد وراحلة، فيلزم تحصيلها في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل عمران 97، فيكون الأمرُ بالحج أمراً بتحصيل الزاد والراحلة وجميع ما لا يُوصل إلى الحج إلا به، وكذلك الأمرُ بالصلاة أمرٌ بجميع ما لا تُفعل الصلاة إلا به من الطهارة، وتحصيل الماء، وجميع الأسباب التي لا يَصِلُ إلى الماء إلا بها؛ مثل الدلو، والإبريق للوضوء، والرشاء، والنزع، والاستقاء والتسخين والتبريد، وغير ذلك؛ حيث قال: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ المائدة: 6 الآية، والغسل يستدعي مغسولاً به، والمغسول به يستدعي أسباباً توصل إلى التمكن منه، ولا وصلة إليه إلا بها، فصار الأمر بالغسل
يقتضي
بنصه
إيقاعه
وبضمنه
تحصيل
المغسول
به (3)،
(1) القول بجواز تكليف ما لا يطاق قال به أبو الحسن الأشعري، كما صرح بذلك إمام الحرمين والغزالي، وتبعه على ذلك كثير من أتباعه، واستدلوا له بقوله تعالى: "ربنا" ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به (البقرة: 286)، وخالف في ذلك الغزالي من الأشعرية فاختار في "المنخول" استحالة التكليف بما لا يطاق. ينظر الجويني (البرهان)، مصدر سابق، ج 1، ص 15. الغزالي (المنخول)، مصدر سابق، ص 22 الرازي (المحصول)، مصدر سابق، ج 2، ص 215. القرافي، (شرح تنقيح
الفصول)، ج 1، ص 143. (2) في (ج): "فيكون الأمر" بموجوده" وهو خطأ.
:
(3) أي أن الأمر بالوضوء في قوله تعالى: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" الآية هذا الأمر يقتضي بنصه إيقاع الوضوء، ويقتضي بمضمونه تحصيل الماء الذي يتوضأ به.
258
}
{