تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧لكنَّ صفة التحصيل فيها تدافع بين الفقهاء، فبعضهم يوجب الطلب للماء إذا لم يقع دونه محذورٌ يتوقى ومهولٌ يُخاف منه (1)، في مسافةٍ يغلِبُ على الظن أن الطالب لا يتكأده شيءٌ (2)، ولا يتضرر
في الطلب (3) بفوات رفقة، [ولا مشقة (4) يعنتُ بسببها، وبعضهم يُسقط عنه الطلب ولا يوجبه.
ومنشأ الخلاف من قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا النساء: 43، ومن رأى (5) أن الفاقد للماء لا يتحقق فقده له إلا بعد الطلب والاستقصاء؛ فإنه إذا وجده بالطلب أو بالشراء أو بالمداينة فإنه لا يُعذر بتركه، وهو كالواجد له إذا وَجَدَه على هذه الصفة، وقال أبو حنيفة: من وقف فنظر يميناً وشمالاً وقدام وخلف (6) ولم ير ماء فليس عليه طلبه وله أن يتيمم، وكذلك إن لم يجده إلا بالشراء فليس عليه أن يشتريه، سواء وجده بثمن المثل أو أكثر؛ فإن الله تعالى لم ينص إلا على عدم الماء، ولم ينص على الطلب، ولا كلَّف فى ذلك غير الوجود له (7).
وهذه مسألة فقهية، وليست معلقة بالأصول إلا من جهة التضمن، وقول الشيخ: "الجواب المطلق ": يعني المُطلق في التكليف أنه لا يتعلق إلا بما يدخل تحت الوسع والكسب والقدرة، سواء في ذلك في الفعل والترك، فكما أنه لا يكلف إلا بما يُطيق اكتسابه وإيقاعه، ويقصده دون ما سواه من الأفعال باختيار منه وإرادة له، فكذلك في الترك لا يؤاخذ في الترك] (8) أيضاً إلا فيما فعل فيه الترك بقصد واختيار وإرادة، ألا ترى إلى الأخرس ومقطوع اللسان، لا تقول ترك الكلام، ولا ترك التلفظ بالشهادة التي هي من جملة العقيدة (9)؛ لأنه ممنوع منها، ولا يدخل ذلك تحت كسبه
(1) في (ب) و (ج) ومحصول يخاف منه" وهذا تصحيف. (2) في (ب) و (ج): " أن المطالبة لا تكاده في شيء". يقال: تكلّده الأمرُ وتكاءَدَه: أي شُقَّ عليه. ينظر: الحميري، (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، مصدر سابق، مادة "التكوّد"، ج 9، ص 5947.
(3) في (ج): "ولا يتصور في الطلب" وهو تصحيف.
(4) ساقط من (ب).
(5) في (ج): "فمن أراد".
(6) في (ب) و (ج): "وقداما وخلفا".
(7) لم أجد عبارة أبي حنيفة التي نقلها الشارح عنه، وقد سبق عند المتن الكلام عن رأي الحنفية في اشتراط طلب الماء، وأن الطلب إنما يكون مشروطا فيمن كان في العمران أو قريبا منها، دون الصحاري والفلوات ينظر السرخسي، (المبسوط)، مصدر سابق، ج 1، ص 108. الكاساني، (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مصدر سابق، ج 1، ص 47. البخاري،
(المحيط البرهاني في الفقه النعماني)، مصدر سابق، ج 1، ص 136.
(7) ساقط من (ب).
(8) ساقط من (ب) و (ج).
(9) في (ب) و (ج): "التي هي ترجمة العقيدة".
{259)