تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٧١العلماء في ذلك؛ فذهب الجمهور من الفقهاء إلى جواز ذلك، ومثلوه بالسجود مثلا، فقالوا: هو مأمور به الله منهي عنه لغيره، وذهب بعض المتكلمين إلى أن ذلك محال، وذلك أن الأمر بالسجود أمر بإيقاعه فلو قدرنا النهي عنه كان نهياً عن إيقاعه، وإيقاع السجود لا يختلف بأن يكون عبادة الله عز وجل أو عبادةً للشيطان، فيستحيل أن يكون مأموراً به منهياً عنه وعينه واحدة، فيؤول النهى إذا إلى قصد عبادة غير الله دون نفس السجود، وهذا باطل؛ فإن الأمة مجتمعة على أن السجود لغير الله محرم، ولو قال قائل: السجود محلل والقصد محرم كان خرقاً للإجماع، فإن قيل: ما الذي ترتضونه إذن من ذلك؟ قلنا: السجود الذي يقع مأموراً به لا يُتصور أن يكون منهياً عنه، فإن السجود الذي وقع عبادة الله لا يتصور أن يقع عبادةً لغيره بعدما وقع عبادة لله، والسجود المنهي عنه لا يكون مأموراً به؛ فإن الذي وقع على قصد عبادة غير الله لا يقعُ عبادةً الله، فهما إذا غيران، يتعلق الأمر بالأول، والنهي بالثاني، وهذا المذهب مطابق لما عليه الأمة موافق للتحقيق".
قال المفسر: التكليف إنما يتعلق على أصولنا بأحكام الأفعال أو بأوصافها، على ما أوضحناه وبيناه من كلامنا فيما مضى (1)، وليس هو متعلق بإحداث الأفعال واختراعها، وهو قول القدرية، وإيضاحُ ما قلناه بالمثال: إن نفس السجود الذي هو الانكباب والوقوع على الجبين (2) ليس هو مطلوباً لنفسه، وإنما المبتغى منه وصفه وحكمه، فمن حيث هو إيمان ودين وإسلام وخشوع وطاعة وتقرب وهيبةٌ وإشفاقٌ وتعظيم الله فهو مأمور بإيقاعه على هذا المثال؛ لأنه طاعةٌ ومثابٌ عليه، فهذا هو السجود الله، ومُوقِعُه على هذا الوصف (3) ساجد الله عابد له مؤمن به والسجود للصنم أو للشيطان إنما يقع نقيضاً لهذا السجود، فإنه من حيث إنه مقصود به الصنم عبادةً له وطاعةً، فهو بعينه موصوفٌ بأنه شرك بالله كفر به عصيان له جحود إنكار (4) ظلم جورٌ فساد متناقض معاقب عليه منهي عنه مغايرٌ
(1) نعم ذكر الشارح ذلك في المجلد الأول من شرحه هذا، تحديدا في باب الأفعال، وكان صاحب المتن قد قسم أفعال المكلف إلى ثلاثة أقسام قسم ضروري، وقسم اختياري، وقسم كراهة فقال الشارح موضحا كلام المتن: "التقسيم إنما يتوجه لأحكام الأفعال؛ لأن التكليف عند بعض أصحابنا وعند الأشعرية إنما يتعلق بأحكام الأفعال لا بأوصافها ولا بحدوثها، وقال بعض أصحابنا وبعض الأشعرية إنما يتعلق التكليف بأوصاف الأفعال لا بأعيانها ولا بأحكامها، وها نحن نبين الأوصاف التي عُلِّق بها التكليف على هذا القول؛ أولها أن تكون الأفعال المأمور بفعلها أو بتركها معلومة مميزة، خلافا لمن قال الواجب العمل دون العلم، الثاني: أن تكون مما يدخل تحت وسع المكلف واستطاعته الثالث: أن تكون مرادة الله سبحانه مرادة للعبد، الرابع: أن تكون مقصودة مختارة عن غيرها، موصوفا فاعلها بالقدرة على الفعل والترك، الخامس أن تكون طاعة أو عصيانا من أول حال وقوعها، خلافا لأهل النظر" ينظر البرادي، البحث الصادق والاستكشاف)، مخطوط، مصدر سابق، ج 1،
ص 138 ظ.
(2) في (أ): "الذي هو الاكتساب والوقوع على الجنبين" وهذا تصحيف.
(3) في (ج): "على هذا الوجه". (4) في (ب) و (ج): "سجود إنكار".
{263)
}