تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٧٣[الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟] (1)
مسألة: اختلف الناس في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فقال [قوم] (2): الأمر بالشيء هو نهي عن ضده، وقصروه على الواجب؛ لئلا يقع النهي عن ضد الأمر المندوب [إليه] (3). وقال قوم الأمر بالشيء أمرّ به من وجه والنهي عن الشيء نهي عنه من وجه آخر غير وجه الأمر. فالذي يقول إن للأمر صيغة وللنهي صيغة، والذي يجعل الأمر بالشيء نهياً عن ضده؛ فلا يصح [ذلك] (4) إلا من جهة المعنى لا من جهة] () نفس اللفظ. وقالت القدرية (6): لا يكون الأمر
بالشيء نهياً عن ضده، ولا النهي عن الشيء أمراً بضده البتة (7).
(1) العنوان من إضافة المحقق.
(2) ساقط من (ب).
(3) ساقط من (أ).
(4) ساقط من (أ)، ونص العبارة: "لا يصح إلا من جهة المعنى".
(5) ساقط من (ب).
(6) ينظر: أبو الحسين البصري، المعتمد)، مصدر سابق، ج 1، ص 106. ونص عبارته: "ذهب" قوم إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وخالفهم آخرون على ذلك، وإليه ذهب قاضي القضاة [يعني القاضي عبد الجبار] وأصحابنا". (7) هذا الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة إنما هو مبني على اختلافهم في حقيقة الأمر. أما الأشعرية فالأمر عندهم هو الطلب القائم بالنفس، ولا خلاف بينهم في أن الأمر بالشيء هو نهي عن ضده، ولكنهم اختلفوا في جهته فمنهم من قال: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده، أي يدل عليه من جهة اللفظ، وهو قول القاضي الباقلاني في أول أقواله. ومنهم من قال: الأمر يستلزم النهي عن ضده، أن أنه يتضمن ذلك من جهة المعنى، لا أن الأمر هو عين النهي، وهو اختيار القاضي في آخر أقواله. ومنهم من منع من ذلك مطلقا، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي. وأما المعتزلة وغيرهم ممن لا يقول بالكلام النفسي فالأمر عندهم له صيغة معينة وهي "افعل"، كما أن النهي له صيغة وهي "لا تفعل"، وقد اتفقوا على أن عين صيغة "افعل" لا تكون نهيا؛ فالأمر له صيغته والنهي له صيغته، وفرق بين الصيغتين، وإنما اختلفوا في أن الأمر بالشيء هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى أم لا؟ فذهب القدماء من المعتزلة إلى منعه، ومن المعتزلة من صار إلى أن الأمر يتضمن النهي عن ضده، وممن صار إلى ذلك أبو الحسين البصري، واستحسنه البدر الشماخي وقال إنه الظاهر من تفسير أبي الربيع سليمان بن يخلف وأبي يعقوب الوارجلاني صاحب المتن. ومعنى كونه نهيا عن الأضداد من جهة المعنى عند المعتزلة أن صيغة الأمر تقتضي إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه. ومنهم من فصل بين أمر الإيجاب والندب، وحكم بأن أمر الإيجاب يكون نهيا عن أضداده، بخلاف المندوب؛ لأن أضداد المندوب من الأفعال المباحة غير منهي عنها. ينظر: الجصاص، (الفصول في الأصول، ج 2، ص 161. الباقلاني، التقريب والإرشاد، ج 2، ص 198. أبو الحسين البصري، (المعتمد)، ج 1، ص 106. أبو يعلى، (العدة في أصول الفقه)، ج 2، ص 368. الشيرازي، (التبصرة)، ص 89. الجويني، (التلخيص)، ج 1، 411. السمعاني، قواطع الأدلة)، ج 1، ص 123. الغزالي (المستصفى)، ص 106. المازري، (إيضاح المحصول)، ج 1، ص 222. الرازي (المحصول)، ج 2، ص 199. الآمدي، (الإحكام)، ج 2، ص 386. السبكي، (الإبهاج)، ج 1، ص 120. الشماخي، شرح مختصر العدل)، ص 256.
{265)
}