باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

والقول الأول أصح (1)، وهو قول أبي الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه (2)، وذلك أن المأمور بالشيء لا يخلو من أن يُوجَبَ عليه ضده، أو يُندب إليه، أو يُباح له، أو يُنهى عنه، فمحال أن يُوجَبَ عليه أو يُندب إليه أو يُباح له؛ لأن ذلك كله يُخرجه عن أن يكون مأموراً به فإذا أُمر بالمأمور وضده كان فيه جمع المتضاددات (3)، وإذا تُدبَ إلى ضدّ ما أُمر به فكذلك، وإن أبيح له ضد ما أمر به سقطت فائدة الأمر، ولم يبقَ إلا أنه نهي عن ضده (4)، فإذا كان المأمور به ذا أضداد () دخلت تلك الأضداد كلها في النهي (6). واستدلوا هم أيضا بأن لو كان الأمر بالشيء نهياً عن ضده لكان العالم بالشيء جاهلاً بضده؛ لأن العلم والجهل ضدان، والأمر والنهي ضدان والعالم والجاهل بمثابة المأمور والمنهي، ويكون القادر على الشيء عاجزاً عن ضده، وكذلك لو كان الأمر بالشيء نهياً عن ضده لكان نهياً عن جميع أضداده، ولو كان النهي عن الشيء أمراً بضده لكان أمراً بجميع أضداده، وقد نجد الرجل يُنهى [عن] (7) أن لا يدخل الدار، وليس ذلك بأمرِ أن يدخل جميع الدور، ويُنهى عن أن لا يأكل لحم الخنزير، وليس ذلك بأمر له أن يأكل جميع اللُّحْمَان (9) سواه. واعلم أن جميع ما اعترضوا به عوّلوا فيه على الغير لا على الضد، وعلى أن الأمر والنهي يختلفان في هذا، وذلك أن الأمر لا يصح امتثاله إلا بالكف عن جميع أضداده ولا كف إلا بالنهي، وأما النهي عن الشيء فلا يكون (10) أمراً بجميع أضداده، ألا ترى

(1) يفهم من تصويب الشيخ لرأي الأشعرية هنا أنه يقول بقولهم ويسلك طريقهم، غير أن الشارح - كما سيأتي- حقق هذه المسألة بأن تصويب الشيخ هذا يوافق قول الأشعرية معنى لا لفظا، بناء على أصله الذي اعتمد عليه فيما سبق، وهو أن للأمر صيغة مستقلة وهي "افعل"، كما أن للنهي صيغة مستقلة وهي "لا تفعل"، وأن قول الأشعرية: "أن الأمر بالشيء هو نهي عن ضده" إنما هو مبني على أصلهم في تثبيت الكلام النفسي، والشيخ لا يقول بالكلام النفسي، فيكون معنى كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده أي أنه يتضمنه، لا أن لفظ الأمر يفيد النهي، وسيأتي تفصيل ذلك في كلام الشارح بإذن الله. (2) وعبارته في التحف المخزونة: "والأمر بالشيء هو النهي عن ضده، والنهي عن الشيء هو الأمر بضده، وهذا في الأمر اللازم المضيق وحده، وأما غيره من الإلزام الموسع وغيره من الأمر فلا يكون الأمر بالشيء منه هو النهي عن ضده؛ لأن من أمر بذلك لم ينه عن تركه، ولو نهي عن تركه لعصى فيه حين يتركه أبو الربيع التحف المخزونة)، مصدر سابق،

ص 314.

(3) في (ج): "جميع المضاددات".

(4) في (ب) و (ج): "ولم يبق إلا النهي عن ضده".

(5) في (ب): "فإذا كان الأمر ذا أضداد".

(6) كالأمر بالقيام مثلا، هو نهي عن جميع ما يتعارض مع القيام القيام، من الجلوس أو الركوع أو الاضطجاع.

(7) ساقط. . من (ب) و (ج).

(8) ساقط من (ب) و (ج).

(9) اللحم معروف، واللَحْمَةُ أخصُّ منه، والجمع أَلْحُم ولِحامٌ ولُحْمانٌ ولحوم ينظر الجوهري، (الصحاح)، مادة "لحم"، ص 1030. ابن سيده المحكم والمحيط الأعظم)، مادة "ل" ح م، ج 3، ص 372. ابن سيده، المخصص)، ج 1، ص 425. (10) في (ج): "فلا يوجب".

{266)

}