تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧قال المازري في شرح البرهان (1): "هذه مسألة اشتهر اختلاف الناس فيها، فذهب الأئمة من الأشعرية إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وكأن الأمر له متعلقان متلازمان اقتضاء الفعل والإيقاع، والنهي عن الترك والاجتناب، وترك الفعل فعل آخر، وهذا الفعل هو ترك ضد المتروك، وهذا هو المشهور من مذهب القاضي ابن الطيب (2)، وصار في آخر أمره إلى أن الأمر ليس هو نهي عن الضد ولكنه يتضمنه، وإلى هذه الطريقة يميلُ أكثرُ الفقهاء، وخالفوا ابن الطيب في مسلك التضمن، وذكر بعض أصحاب مالك عنه أنه يقول بدليل الخطاب، وأن قوله يقتضي أن يقول في الأمر بمثل مقالة الفقهاء، وأما المعتزلة فإن المشهور عندهم أن الأمر ليس بنهي عن الضد، لا من جهة القول ولا من جهة المعنى، وهذه الطريقة هي التي اختارها أبو المعالي، ولكنه مع ذلك خالف الأشياخ في نقله عن المعتزلة، فنقل عنهم أنهم يرون تضمن الأمر للنهي عن الضد، على حسب مسالك الفقهاء، ولكنهم عنده لما كانوا ينفون القول النفسي، ويرون أنه لا أمر إلا الأمر النطقي اعتقدوا أن العرب وضعت قولها: "قم" لتدل على معنيين تصريحا وتلويحا، فالتصريح بحكم النص هو اقتضاء القيام والتلويح بحكم الإشعار وهو النهي عن السكون ولا يكون في الأمر النطقي الأمرُ نهياً أصلاً، فافهم ذلك، وتحققه إلا ما يُعقل من تضمن الأمر معنى النهي عن الضد. قال الشيخ أبو بكر أحمد بن عمر (3) مِنَّا، وهو صاحب كتاب الضياء (4): "مسألة: والأمر بالشيء نهي عن كل أضداده، قال الله عز وجل يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ الجمعة: 9، فأمر عز وجل بالسعي نصاً، فَعُقِل النهي () عما يضادده؛ مثل القعود، والاضطجاع، وغير ذلك من الأشياء التي تضادد السعي، وليس البيع والتزويج والأكل والشراب بأضداد السعي؛ إذ جائز أن يسعى ويبيع في حال، ولا جائز أن يسعى ويقعد في حال، وجائز أن يسعى ويأكل في حال، ولا جائز أن يسعى] (6) ويضطجع أو يجلس في حال، فلما تنافى الأمر بالسعي والجلوس والاضطجاعُ في حال عَقِل (3) المخاطبون أن في أمره تعالى بالسعي إلى
(1) المازري، (إيضاح المحصول من برهان الأصول، مصدر سابق، ص 222. وقد وقع في المخطوط شيء من السقط أثبته من الكتاب الأصلي.
(2) أبو بكر محمد بن الطيب بن جعفر الباقلاني (ت:403 هـ)، سبقت ترجمته.
(3) أحمد بن عمر بن أبي جابر، أبو بكر (ت: 552 هـ)، سبقت ترجمته.
(4) لقد سبق التنبيه أن كتاب الضياء هو من تأليف الشيخ أبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي (ق: 5 - 6 هـ)، ونرى الشارح هنا مرة أخرى ينسب كتاب الضياء إلى الشيخ أبي بكر أحمد بن عمر.
(5) في (ب) و (ج): "فاعقل النهي".
(6) ساقط من (ب).
(7) في (ب) و (ج): "عقد" وهو تصحيف.
269
}