تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٧٨الصلاة دليلاً على النهي عن جميع ما يُضادد السعي من الجلوس والاضطجاع، والنهي عن الشيء أمر بضده أو ببعض أضداده، فإذا كان الإنسان جالساً فقيل له: "لا تقم" فله قبل هذا القول أن يقوم ويقعد ويضطجع، فإذا نُهي عن واحدٍ وهو القيام فهو على ما كان عليه من تصرفه في حاله، فإذا امتنع عن القيام فله كل فعل غير القيام، وإذا كان ما ذكرناه على ما وصفنا كان إِذا أُمِرَ بالشيء فهو نهي عن كل ضد له (1)، فإذا نُهي عن شيءٍ فله فعل كل ضد له (2). قال أبو المعالي في التلخيص (3): "ومن زعم أن الكلام ينطلق على العبارات والحروف المنتضمة- التي هي الأصوات لم يُطلق القول بأن الأمر نهي؛ فإن الأمر عنده قول القائل "افعل"، والنهي عنده قول القائل "لا تفعل"، ولكن قال: الأمرُ بالشيء على الجزم ونفي التخيير يتضمن النهي من طريق المعنى، وليس هو عين النهي، وإنما قيدنا الأمر بنفي التخيير؛ لأن الأمر على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، ويكون الواجب واحداً لا بعينه، ولا سبيل أن تقول فيما هذا وصفه نهي عن ضده، إذ قد خُيّر المأمور بينه وبين ضده".
وقوله: "لئلا يقع النهي عن ضد الأمر المندوب، فاعلم أنك لا تفهم مراده وما عوّل عليه الشيخ أبو الربيع ما لم تُحصّل السوابق والمقدمات التي أذكرها هنا، وذلك أنا قدمنا في أول الكتاب أن معنى أصول الفقه هي أدلته، ومعنى الفقه هي العبارة عن معرفة أحكام الشريعة (4)، وحقيقة الشريعة هي الخطاب الوارد من الله عز وجل إلى المكلفين بالتحليل والتحريم والإباحة والندب والكراهة، وهو عينُ أحكامٍ [أفعال () المكلفين، والأصول هي الأدلة التي نستفيد بها تثبيت هذه الأحكام، حيث يُنتفع (6) بالأدلة في المسائل الشرعية والأحكام الفقهية والمقدمة الأولى: [أن] () تُحقق تقابل الأحكام وتضاددها؛ فإن الضدين لا يثبتان ولا يرتفعان إلا على المعاقبة)، ولا بد من محلٍ يتعاقبان عليه، إذا زال هذا ثبت في المحل ضده، ثم عين زوال الزائل هو عين ثبوت ضده، كما أن عين ثبوت الثابت هو عين زوال الزائل، واعلم أن الحلال مقابل للحرام (9) ومضادد له، فما
(1) في (ب) و (ج): "كان إذا الأمر بالشيء نهيا عن كل ضد له".
(2) العوتبي، (كتاب الضياء)، مصدر سابق، ج 2، ص 397.
(3) الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 412.
(4) ينظر: البرادي، البحث الصادق والاستكشاف) مخطوط، مصدر سابق، ج 1، ص 67 ظ.
(5) ساقط من (أ).
(6) في (ج): "حتى ينتفع". (7) ساقط من (أ).
(8) هذا تعريف للنقيضين أو المتنافيين، وليس تعريفا للضدين، حسب ما هو مشهور من معنى الضدين والنقيضين، وقد سبق
التنبيه عليه.
(9) في (ب) و (ج): "واعلم أن الحرام مقابل للحلال" فقدم وأخر، والمعنى لا يتغير.
{270)
270