تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٨وأما الآية التي استدل (1) بها فالله أعلم كيف وجه الدليل منها، ولم تكن كتبي حاضرةً معي حين أكتب حتى أبحث عن وجه الدليل منها (2).
قوله: "وقد يكون التكليف ابتلاء"، والابتلاء هو الاختبار، قال الله سبحانه: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمَشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا الإنسان: 2 وقال: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ الأنبياء: 35، والابتلاء من الله عز وجل على أحد وجهين: أحدهما ليبلغ المؤمن إلى درجة ينتهي إلى سابقته (3) بالسعادة لطفاً منه وامتناناً؛ كابتلاء آدم عليه السلام بالأكل من الشجرة حتى وقع في الخطيئة، فوفق للندم والتوبة والاعتراف والتبري من حول نفسه وقوته إلى حول الله وقوته، والالتجاء إلى رحمة الله والاعتصام بفضل الله وكرمه، حتى تلقى [منه] (4) الكلمات التي كانت سبباً لقبول توبته، فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم؛ فهذا وجه. والوجه الثاني يكون فيه الابتلاء من الله عز وجل لِتَحِقَّ كلمتُه السابقة على عبده بالإهانة والطرد والبعد ()، والعياذ بالله من الشقاء؛ كابتلاء إبليس بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وكان من الكافرين، قال سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الأنعام: 115،
(1) في النسخة (ب): "استدلوا بها"، وهو خطأ، والآية التي يعنيها هي قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" إلى قوله: "عذابا أليما". (2) هذه الآية استدل بها صاحب المتن على أن النهي لا يفيد قبح المنهي عنه، وأن الله سبحانه قد يحرم ما لا مفسدة فيه ابتلاء لبعض عباده وعقوبة لهم، قال العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام فإن قيل هل يحرم الرب ما لا مفسدة فيه؟ قلنا: نعم، قد يحرم الرب ما لا مفسدة فيه عقوبة لمخالفته وحرمانا لهم أو تعبدا أما تحريم المحرمات فكما حرم على اليهود كل ذي ظفر، وكما حرم عليهم الثروب من البقر والغنم، عقوبة لهم لا لمفسدة في ذلك، ولو كان فيه مفسدة لما أحل ذلك لنا مع أنا أكرم منهم. وقد نص على ذلك بقوله: ذلك جزيناهم ببغيهم"، وبقوله: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" … إلخ" ابن عبد السلام، أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (ت: 660 هـ)، (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، راجعه: طه عبد الرؤوف سعد، بدون طبعة، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة، (1414 هـ - 1991 م، ج:1، ص:42. وقوله: "الثروب"، الثَّرْبُ: شحم رقيق يغشي الكرش والأمعاء، والجمع ثُرُوب، قال ابن دريد الثرب ما كان على كرش الشاة من الشحم، ومن الإنسان شحم بطنه ينظر الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد (ت: 175 هـ)، (كتاب العين)، تحقيق: د مهدي المخزومي وآخرون، بدون طبعة دار ومكتبة الهلال بدون تاريخ مادة "ثرب"، ج: 8، ص: 222. ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (321 هـ)، (جمهرة اللغة)، تحقيق: د رمزي منير بعلبكي، ط: 1، دار العلم للملايين- بيروت، (1987 م)، مادة "هرب"، ج:1، ص:332.
(3) كذا، وفي (أ): "ينتهي إلى سابقتيه". ولعل المقصود أن الله تعالى يبتلي أحيانا عبدا من عباده ليرفع بذلك درجته ومقامه. (4) ساقط من (أ).
(5) في (ب): "بالإهانة في الطرد والبعد".
}