باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

يتحقق فيه الحظر؟ أم كيف يُتقرب إلى الله بما يُعتقد تحريمه؟ " والجواب من أبي المعالي (1): "فإن قيل: فما وجه التَّفَصِّي (2) عن هذا الإلزام؟ قلنا: ما عوّلتم عليه في المسألة أنَّ ما يكون معصيةً لا يقع طاعة، وهذا يبطل عليكم بصورٍ لا محيص لكم عنها، منها أن من وجب عليه قضاءُ دينٍ أو ردُّ وديعة وضاق ووقت الصلاة موسع عليه؛ فلا يجوز له تأخير قضاء الدين مع القدرة عليه، ولا تأخير ردّ الوديعة بعدما طلبت، فلو أحرم بالصلاة والحالة هذه أتحكمون بصحة الصلاة، وهو بنفس الصلاة تاركٌ لقضاء الدين وردّ الوديعة؟ وكذلك لو ضاق عليه الوقت، واشتغل بإنشاء عقدٍ بتفويت مُلكٍ أو إنشاء تمليك حتى فاتته، أليس أنه لا يجوز له الاشتغال عن تكبيرة الإحرام؟ واشتغاله بإنشاء أحد العقدين حرام وإضاعة للصلاة؟ وهو عاص بذلك معاقب عليه، وهذا عقد محرم منهي عنه، فما تقولون فيه أهو صحيح أو فاسد؟ ثم أنتم تحكمون بصحته، فإن قيل: فما دليلكم على وقوع الصلاة في الأرض المغصوبة موقع الإجزاء؟ أتثبتون ذلك عقلاً أو سمعاً؟ قلنا: لا تدل العقول على أحكام الشرائع، وإنما الدال عليها الأدلة السمعية، فإن قالوا: فليس في تجويز الصلاة في الأرض المغصوبة نص كتاب، ولا نصّ مستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى ماذا معولكم؟ قلنا معولنا على إجماع الأمة في العُصُر الخالية، قبل ظهور الخلاف من أبي شمر ونوابته المعتزلة، ووجه تحقيق الإجماع أن تقول: الصلاة في الأراضي المغصوبة كانت تتفق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمان أصحابه، وكما نعلم اطراد سائر العادات التي لا تنخرق فكذلك نعلم أن العصر لا يخلو عن تقدير ذلك من المغتصبين والمستعلين، المتمسكين بضروب العداوان، ثم لم يصر أحد من أهل الحل والعقد إلى إفساد الصلوات في الأراضي المغصوبة، ولم يوجبوا قضاءها، ولا يسوغ عن المجمعين حبُّ الصمت والسكوتُ على خلاف الحق؛ إذ العصمة تجب لهم كافة كما تجب للرسول عليه السلام، والذي يوضح ذلك أن طائفة من المغتصبين كانوا ينيبون ويتوبون ويرجعون عن طغيانهم وعدوانهم في زمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمان التابعين وتابعي التابعين وكانوا يتلاقون ما فَرَطَ منهم بالتدارك، ولم يُؤثر عن أحدٍ من الأئمة في العُصُر الخالية أوجب على منيب إعادة ما فرط من الصلوات، وجاحدُ ذلك يقابلُ بجحد كلٌّ إجماع، فإن قيل: أليس قد ذهب أبو شمر إلى إيجاب القضاء؟ قلنا: إنما استدللنا عليكم بإجماع قبل الذين سميتم، ثم هذا الرجل الذي سميتم لم يصح كونُه من المجتهدين المستجمعين للشرائط المذكورة، فيعد خلافه ويقدح في عقد الإجماع، فبطل ما قالوه. فإن قيل: أليس قد أجمع المسلمون على أن غير المأمور لا يتأدى به المأمور؟ قلنا: ما قولكم في

(1) الجويني، (التلخيص)، ج 1، ص 485. باختصار وتصرف. (2) يقال: تفصَّى اللحم عن العظم إذا تميز عنه، وتفصى الإنسانُ من البلية إذا تخلص منها. ينظر: ابن فارس، (مقاييس اللغة)، مادة "فَصَيّ"، ج 4، ص 506. الحميري، شمس العلوم، مادة "التفصي"، ج 8، ص 5201.

[278)

}