باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

ادعيتم الإطباق والاتفاق، ولعل الماضين إنما استدلوا بالمناهي على الفساد لإحاطة علمهم بقرائن أحوالٍ دالة على الفساد، فإن قالوا: فلو كانت تلك القرائن لنقلتْ، قلنا: لا يلزم نقلُ جميع ما يستند العلم إليه، ألا ترى أن الإجماع قد تيقن وقوعه في بعض الحوادث مع أنه لا يتعين نقلُ ما استند إليه، وقد سبق في الجواب ما فيه مقنع". والله أعلم.

قال المفسر: وقد قال بعضُ أهل الأصول إن النهي إذا كان فيه حقّ لمخلوق فلا يدل على فساد المنهي عنه؛ كالصلاة في الدار المغصوبة وكالصلاة بثوب الغصب وكالطهارة بماء الحرام والتيمم بتراب الحرام، والحج ودفع الزكاة وقضاء الديون ودفع الكفارات من مال الغير، فهذا ومثله إذا وقع فقد يسقط به الفرض وتبرأ به الذمة، وتسقط به العقوبة والمؤاخذة من الله تعالى، ولا يقال فيه إنه غير ممتثل ولا غير مطيع، لكن بشرط أن يتنصل مما عليه من الغُرم بالعدد والوزن فيما يضبط بالعدد والوزن؛ كالدراهم والدنانير، وبالكيل فيما يكال، وبالوزن فيما يوزن، أو بالقيمة فيما لا ينضبط، وعليه التوبة وحقٌّ التعدية (1)، وفعله في الوصف حرام وغصبٌ وظلم ومنهي عنه، من حيث إنه تصرفٌ في ملك الغير بغير حُجة، فصار منهياً عنه من هذا الوجه، ومن حيث إنه أوقعه أداءً للفرض (2)، وامتثالاً للأمر، وطلباً لبراءة الذمة، والتخلُّص من عُهدة الأمر ومن المطالبة بالفرض؛ فهو مأمورٌ به من هذا الوجه، فمن ههنا وقعت الصلاة (3) في البقعة المغصوبة، والوضوء، والتيمم، ودفع الزكاة، والكفارة (4) مجزيةً، إذ ليس للنهي الواقع فيها تعلق ولا تأثير والنهي إنما هو (9) عن مظلمة الغير وزجراً عن اهتضام حق الغير، وأما النهي الذي له تأثير في العبادة (6)؛ كالنهي عن الصلاة بغير طهارة، وبالثوب النجس، وبغير استقبال الكعبة، وبغير ستر العورة، وغير ذلك من الشروط التي لا تتم الصلاة إلا بها فهذا حق من حقوق الله تعالى، وهو مشروط مؤثر في صحة العبادة ()، فهذا يدل على الفساد وعدم الإجزاء.

6

وإن كان الفعل مأموراً به من وجه آخر فهو في الحقيقة منهي عنه، وتحقيق ذلك: أن الله لما أمر بالعبادات (8) وافترضها، شرط فيها شروطاً لا تصح إلا بها؛ كالطهارة في الصلاة، وستر العورة،

(1) أي حق التعدي، وهو الحق والضمان الذي ترتب عليه بسبب تعديه.

(2) في (ب) و (ج): "أوقعه على أداء الفرض". (3) ساقط من (ج).

(4) في (ب) و (ج): "والكفارات" بصيغة الجمع.

(5) في (أ): "وإنما النهي إنما هو … إلخ".

(6) في (ب) الذي ليس تأثير في العبادة" وهذا خطأ.

(7) في (ب) و (ج): "وهو شروط مؤثرة في صحة العبادة".

(8) في (ب) و (ج): "بالعبادة" بصيغة الإفراد، وكذا الموضع الذي بعده.

{281)

}