باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

النقيضين، وهو محال، والندب نقيض الوجوب، فكيف تكون عبادةٌ واحدةٌ مشتملة على مأمور معاقب عليه ومأمور غير معاقب عليه، فيكون المكلف مأموراً بأمرين مختلفين من وجه واحدٍ في مأمور واحد، ولو كان الزائد على القدر المجزي مندوباً لنص الله عليه، وجعل للواجب حداً محدوداً ينتهي إليه، ولما كان اسمُ القرآن يُطلق على القليل والكثير في قوله تعالى: فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ

مِنَ الْقُرْآنِ المزمل: 20 دلَّ على أن التقدير في ذلك مفوض إلى المكلف، فما أوقعه من ذلك فقد امتثل به الأمر وأدى به الواجب.

وقوله: "وأيضا" لو كان واجباً للزم استحقاق العقاب على ترك شيء منه "، قال المفسر: إنما يلزم ذلك لو كان القدر المجزي منصوصاً على تحديده؛ كسائر العبادات المعينة المحدودة، فيكون المخل بشيءٍ من حدودها عاصياً معاقباً على الترك، فأما والحال هذه والأمرُ مفوض إليه فلا، بل التقدير مفوض إلى اختيار المكلف، فما أوقعه من قليل أو كثير فهو الواجب عليه، وتبرأ به الذمة، ويسقط به الفرض.

وقوله: "فلما رأيناه وقد يقتصر على ثلاث آيات وتجزيه علمنا أن ما زاد على الثلاثة ندب"، قال المفسر: هذا مختل فيه وهو من المظنون (1)، ولا يسوغ الاستدلال به في مسائل القطع، وهذا من فن الفقه وليس له متعلق بالأصول، وقد قيل بآيتين، وقد قيل بآيةٍ واحدة، ومما شنع الفقهاء على أبي حنيفة قوله: لو اقتصر المصلي على مُدْهَامَّتَانِ: الرحمن،64، فركع وسجد، ثم قام إلى الثانية ثم قال: مُدهَآمتان الرحمن: 64، فركع وسجد، ثم كذلك في سائر] (2) صلاته ولم يزد عليه

أجزأه (3).

(1) في (ب) و (ج): "الظنون". (2) ساقط من (أ).

(3) رأي أبي حنيفة أن من قرأ في كل ركعة من صلاته بآية واحدة تامة فقد أجزأه، سواء كانت طويلة أم قصيرة، ويحتج بقوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من "القرآن (المزمل:20)، فالمأمور به قراءة ما تيسر عليه من القرآن والآية القصيرة من القرآن حقيقة وحكما، أما حقيقة لا يشكل، وأما حكما، فإنها تحرم قراءتها على الجنب والحائض. ينظر: السرخسي، (المبسوط)، مصدر سابق، ج 1، ص 221. الكاساني، بدائع الصنائع)، مصدر سابق، ج 1، ص 112. البخاري، (المحيط البرهاني)، مصدر سابق، ج 1، ص 298.

{285)