تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧والظاهر عند العرب أن نفس الصيغة دالة على الأمر والنهي؟! ولولا ذلك لبطلت المعاني، واختل البيان، وظهر المثل فى اختلاط الرايب (2) والحليب.
الشرح: قال المفسر قد ذكرنا في كتاب الأوامر ما يغني الناظر المتأمل والباحث المفكر عن كثير من البحث في معاني النهي، فإن الأمر والنهي متقابلان فلا تفرض في ممكن "افعل" إلا ويمكن أن تقابله" بـ"لا تفعل، ولا يستحيل ذلك عقلاً ولا شرعاً، وقانون الشرع هو الميزان الفارق، وكما كان الأمر المطلق يقتضي الوجوب والإلزام على أصولنا فكذلك النهي المطلق يقتضي الزجر والتحريم، وكما أن صيغة "افعل" تصرف إلى وجوه من المصارف إذا وجدت قرينة، أو مقدمة أو شرط، أو تقييد بصفة أو تابعة توجب صرفه، فكذلك النهي يصرف بالقرائن إلى وجوه من المصارف التي ذكرها الشيخ في الباب، وجميع ما ذكرناه في أحكام الأمر فهو يتحقق على الضد في أحكام النهي، فإذا قلنا: حقيقة الأمر اقتضاء الطاعة بفعل المأمور به؛ فنقول في [حقيقة] (3) اقتضاء الطاعة بترك المنهي عنه، والنهي عند الأشعرية معنى في النفس، ولا يرجع إلى العبارات، كالأمر القائم بنفس الأمر.
النهي
وقول الشيخ رضي الله عنه -: "وقد خلق الله الخلق لنا وخلقنا لأجل العبودية"، في هذا إشارة إلى أن الشيخ رضي الله عنه- يعتقد أن الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة (4)، وهو الذي عليه جُلُّ المشايخ، مصيراً إلى قوله تعالى: هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة: 29 حتى يرد التحريم بما حرم، فما خلقه لنا فهو لنا، ولا نحتاج فيه إلى إذن كما زعم من ادعى أن الأشياء على الحظر. وقوله: "وخلقنا لأجل العبودية () "، أي ليتخذنا عبيداً (6) يستعبدنا بالأمر والنهي، يختبرنا بالطاعة والمعصية، لنستوجب المدح والذم والثواب والعقاب والسخط والرضا، والولاية والعداوة. وقوله: "وخلق الكلام لأجل المخاطبة لنا ()، فلولا المخاطبة لم نفهم الأمر ولا النهي،
(1) في (ب) و (ج): "خطاب الملك القاهر للعبد الذليل" والمعنى واحد. (2) رابَ الَّلَبَنُ يَرُوبُ رَوْبًا إذا خَثُرَ، وقِيلَ الرّائِبُ الَّذِي يُمْخَصُ فَيُخْرَجُ زُبْدُه. ينظر: الجوهري، (الصحاح)، ص 473. ابن سيده، المحكم والمحيد الأعظم)، ج 10، ص 328. (3) ساقط من (أ).
(4) مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع سبق الكلام عنها، وقد سبق أن الناس اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: منهم من قال إن الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة وأنه هو الأصل، وهو ما فسر به الشارح هنا كلام صاحب المتن، ومنهم من قال
إنها على الحظر، ومنهم من قال بالتوقف حتى يرد الدليل.
(5) في (ب): "وخلقنا لأن العبودية" وهو تصحيف، وقد مر كلامه في المتن.
(6) في (ب) و (ج): "أي اختبرنا عبيدا".
(7) الذي في المتن وخلق" الكلام لأجل التكليف".
{289)
}