تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٣١١أن كل ذلك محرم عليه، وهو الذي ورط نفسه فيه، وقد انسدت عنه المسالك ولا مخلص له من المآثم، [قال] (1): والذي نختاره أنه إذا دخل الدار المغصوبة فهو مأمور بالخروج منها وليس بمنهي عنه، والأكوان التي تصدر عنه في خروجه من حركاته وسكناته ليس يعصي بها، وهكذا القول في كف الزاني عن الزنى، وأما الجالس على صدر غيره فعليه مزايلته، ثم لا يعصي الله عز وجل بمزايلته على أرفق الوجوه، بشرط أن يبذل فيه كنه المجهود، قال ويقال لأبي الشمر هذا الذي صرت إليه إفصاح منك بتكليف المحال، وذلك أن الإنسان إذا كان لا يعرى من الأكوان المتضادة فلا يُتصور النهي عن جميعها من غير أن يتصور الخلو عنها، ولا فرق بين تجويز ذلك وتجويز الأمر بالقيام والقعود، وأما الذي استروح إليه من أنه تسبب إلى ذلك فباطل من القول، فإن تكليف المحال على الأصل الذي نصره محال، وما كان محالاً لم يُتصور أنه فرط فيه المرء أو لم يفرط".
قال المفسر: أبو الشمر المذكور من أتباع المعتزلة، وهو قد سد باب التوبة، وقطع أسباب الرجاء (2) عن صاحب هذه الوقائع، وهذا إفراط في التعسير وإسرافٌ في التشديد، ولا يليق هذا برأفة الرؤوف الرحيم، ولا يساوق هذا أنفاس الشريعة؛ فإن أنفاس الشريعة تميل إلى التسهيل والتيسير دون الحرج والتعسير، قال سبحانه وتعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ البقرة: 185، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج الحج: 78، وقال: يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ النساء: 28، ومقتضى كلام أبي المعالي إسقاط التكليف عنه (3)، حيث هو لم يقدر (4) له فعلاً يدخل تحت كسبه واختياره، يكون فيه سالماً من هلاك نفسه أو هلاك غيره، ففَرَّط في إسقاط التكليف عنه كما قد أفرط أبو الشمر في التشديد وسد باب التوبة، والتفريط والإفراط كلاهما مذمومان منهي عنهما، وتعيَّن سلوك طريق قاصد بين الفريقين على عادة الشيخ بين بين، فنقول: إن المتورط في جميع هذه المسائل والحال هذه لا يخلو من أحد حالين لا ثالث لهما، إما أن يكون مصراً مقيماً على المعصية والانهماك، أو يكون امتحن الله قلبه للتقوى، فوقعت في نفسه
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) في (ب) و (ج): "وهم قد سدوا باب التوبة ورفعوا أسباب الرجاء".
(3) يشير إلى قول أبي المعالي السابق، عندما قال في البرهان والوجه المقطوع به عندي سقوط التكليف عن صاحب الواقعة، مع استمرار سخط الله وغضبه عليه، أما وجه سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليف ما لا يطاق، ووجه استمرار حكم العصيان لأجل تسببه فيما لا مخلص له منه". ينظر: الجويني، البرهان)، ج 1، ص 104.
(4) في (ب) و (ج): "لم يقرر ".
}