باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٣١٧

تبتغي

بحجرٍ

نفقاً

الماء البارد، قال مالك: يريد أنه من أهل النار (1). وروي أن رجلاً سأل ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة عن رجلٍ قتل رجلاً مؤمناً متعمداً، فكلهم يقول: هل تستطيع أن تحييه؟ هل تستطيع أن في الأرض أو سلما في السماء؟ (2). قال المفسر: من قتل نفسه متعمداً بحديدٍ أو بِسُمِّ أو أو بغير ذلك فهو قاتل النفس التي حرم الله، وحكمه حكم القاتل، وإشارة الحديث إلى أن من قتل نفسه أشدُّ جرماً ممن قتل غيره؛ لأن من قتل الغير يرجو العفو أو القود أو قبول الدية، ومن قتل نفسه فلا قود ولا عفو ولا دية ولا توبة ولذلك أنفذ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم- الوعيد، وأخبر أنه في النار خالداً مخلداً فيها أبدا، فخص الذاهب إلى إبطال توبته عموم الآيات التي نص عليها الشيخ وهي آيات -الغفران بنفس الحديث، والذين رأوا له التوبة عولوا على تعميم

آيات التوبة؛ مثل قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا

و

رَّحِيمًا} النساء: 110، وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى طه: 82، وغيرها،

فكيف يدعوهم الله عز وجل إلى التوبة ويعرضُها عليهم ويَعِدُ بالغفران فيتوبون ويستكملون شرائط التوبة ثم يردها عليهم؟! وقد وعد بالقبول (3)، وهو لا يخلف الميعاد، وهو أصدق القائلين (4)، وقد

(1) ينظر: ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت:543 هـ)، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس)، تحقيق: د محمد عبد الله ولد كريم، ط 1، دار الغرب الإسلامي، (1992 م)، ج 1، ص 1062.

(2) ينظر: السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: 911 هـ)، (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)، بدون طبعة، دار الفكر - بيروت بدون تاريخ، ج 2، ص 626.

(3) في (ب) و (ج): "وهو قاعد بالقبول" والتصحيف فيه ظاهر.

(4) مسألة قاتل المؤمن متعمدا، وكذلك من قتل نبيا أو قتله نبي، وكذلك من قتل نفسه بحديدة أو تردى من جبل أو تحسى سما، هذه المسائل وغيرها مما وقع فيه الخلاف بين العلماء في قبول توبة من قارف شيئا منها، وسبب خلافهم تعارض الوعيد الذي ورد في خصوص هذه الأشياء مع عموم الأدلة الواردة في قبول التوبة ممن أتى بها، كما ذكر الشارح. أما قاتل المؤمن متعمدا فقد رد الشارح قول القائل بأن آية النساء ناسخة لآية الفرقان بأن الآيتين، خبران، وأن النسخ في الأخبار لا يجوز. وأما من قتل نبيا أو قتله نبي فقد جعله الشارح مع إبليس وقابيل والمحتضر المعاين الأربعة الذين قطع الله عنهم التوبة، كما سبق كلامه، وقد خالفه في ذلك بعض العلماء. وممن تكلم في هذه المسألة نور الدين السالمي في مشارق الأنوار، حيث قال: "اعلم أن من أتى جرما صغيرا كان أو كبيرا داخل تحت هذا العموم [أي عموم قبول توبة التائب ما لم يغرر أو تطلع الشمس من مغربها، فتوبة قاتل المؤمن عمدا، وتوبة من أضل غيره بمعصيته وتوبة من حلف ليبطلن حقا أثبته الله مقبولة؛ لدخول الثلاثة تحت ما مر، وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر ليبين اختلاف الفقهاء في قبول توبتهم؛ فإنهم اختلفوا في قبولها منهم، وفي قبول توبة الملحقة بزوجها ولدا من غيره، وفي قبول توبة من قتل نبيا أو قتله نبي؛ لحديث يروى في ذلك إجمالا، ولأحاديث وردت في بعض ما ذكر تفصيلا. فأما توبة من قتل نبيا أو قتله نبي فلم يرو فيها غير الحديث العام لجميع المذكورات وقد استدل به القائلون بعدم التوبة لهؤلاء، وكأنه صحيح عندهم، وعلى تقدير صحته فنحمله على عدم التوفيق لأسباب التوبة غالبا، لا على عدم قبولها إذا أتى بها كما وجب عليه شرعا، وعبر عن عدم التوفيق بما ذكر للزجر والتنفير عن هذه الكبائر، جمعا بينه وبين تلك الأدلة، أو نقول إنه إخبار عن عدم قبول توبة هؤلاء في أول الإسلام مثلا ثم =

309