تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢قال المفسر: تساهل الشرع فى الدماء وتهاون بها، وتَحِلُّ بأدنى سبب (1)، فمن استقرأ أصول الشريعة استكشف منه سرّ قول الإمام رضي الله عنه، واطّلع على تبحره وتغلغله في بحار العلوم، وإحاطته بعلوم التفاسير والأحاديث، وعلم الأصول وأسرار الشريعة، وأما الأموال فهي أعظم حرمة من الدماء، ولا تَحِلُّ إلا بوجوه مخصوصة (2)، ولا تحل بالبغي ولا بالمباينة (3) ولا بغيرها، وليس من قول المسلمين من تَحِلُّ دماؤُه يَحِلُّ ماله، ولا غنيمة في أموال الموحدين، خلافاً لأهل الإيالة (4) في مذاهبهم، وخلافاً لخوارج الجور في مناصبهم (). والثالث (6): دماء المنافقين وأموالهم. فالمال محرم بكل حالٍ وعلى كل حال، ولا يحل بالمباينة ولا بغيرها، وأما الدماء وإن كانت محللةً في الدين فالبسط إليها ممنوع حرام ما داموا مذعنين مقرين لأحكام العدل، غير منابذين ولا مرجفين ولا مفسدين، قال المفسر: الدين الذي حلت به دماء المنافقين وحلت فيه هو مثل قوله تعالى: لَإِن لَّمْ يَنَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ: الأحزاب: 60 الآية كلها حتى قال: وَقُتِلُوا تَفْتِيلًا} الأحزاب: 61، وقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا المائدة: 33 الآية كلها، وقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الحج: 39 الآية، وقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ
(1) هذه العبارة فيها ما فيها من التجوز، فإنه عبر بذلك ليتوصل إلى بعض الأمور المخصوصة التي أبيحت فيها الدماء دون الأموال، وإلا فإن حفظ النفس من الضروريات الخمس، بل هي أولها، فكيف يقال أن الأموال أعظم حرمة من الدماء، فإن الدماء التي حل سفكها إنما حل سفكها بوجه شرعي أتى به الشرع، ولا يصح تجاوزه إلى غيره، وذلك لأن أصحابها ارتكبوا كبيرا من الكبائر أهدر بسببه دمهم. أما إذا كان القتل وسفك الدماء بغير وجه حق فهو من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، حتى أن بعضهم سد باب التوبة عمن قتل مؤمنا متعمدا بغير وجه حق، قال الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" (المائدة:32)، وهل في ذلك غلظة وتشديدا أكثر من قوله عز وجل: "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" (النساء:93). (2) ساقط من (ب) و (ج).
(3) المُباينة: المُفارقة، وكأنه يعني بالمباينة هنا مفارقة الجماعة والخروج عن الطاعة. ينظر: الحميري، (شمس العلوم)، ج 1، ص 690. الرازي مختار الصحاح)، مادة "بين"، ص 74.
(4) الإيالَة: السّياسة. يُقَالُ فُلَانٌ حَسن الإيالة وسَيِّئُ الْإِيَالَةِ. ينظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث)، ج 1، 85. ابن
منظور، لسان العرب)، مادة "أول"، ج 11، ص 34.
(5) في (ب) و (ج): "وخلافا للخوارج في مذاهبهم".
(6) أي القسم الثالث من التقسيم السابق، وهو ما كان حلالا في الدين حراما في البسط.
﴿TTE﴾