تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٣٥أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يونس: 71، والجمع منه أمور، قال الله سبحانه: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ آل عمران: 109، وهذا ما لا تقصده الأصوليون (1). والوجه الثاني الأمر الذي هو ضد النهي، وجمعه الأوامر، وهو الذي تقصده وتتكلم عليه (2)، وهو تشتق منه الأفعال ماضياً وحالاً ومستقبلاً وأمراً، واختلف هل تُعتبر فيه الرتبة أم لا؟ الصحيح أنها لا تعتبر؛ لقول دريد لأخيه عبد الله وهو الأمير (3):
أمرتُهم أمراً بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
وقوله في تبيين الأمر أنه "القول المقتضى به الفعل من المأمور؛ لأن القول يكون باللسان ويكون بغيره، قال الله سبحانه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنَيْنَا طَابِعِينَ﴾ فصلت: 11، فإذا أوجب الله عز وجل على عباده شيئاً وألزمه أو ندب إليه فقد أمرهم به وإن لم يقل لهم افعلوا، وقد يقول السيد لعبده: من لم يخرج من هذا الباب اليوم عاقبته، ومن أتى كذا اليوم قربته ورفعت مجلسه؛ فيحسن الثواب والعقاب للاقتضاء الموجود في ذلك كله، وإذا أباح أو أذن فقد خرجت الإباحة والإذن عن حدّ الأمر إذ ليس فيه اقتضاء الفعل، ومعنى الاقتضاء أن يقصد الآمر امتثال أمره ويريده، ويطلب إيقاع الفعل الذي أَمَرَ به حتى يتصف (4) الفاعل الممتثل بالطاعة في الامتثال
(1) كذا جاء في النسخ الثلاث، بتأنيث الفعل المضارع، مع أن فاعله جمع مذكر سالم، ولعل الصواب: ما لا يقصده الأصوليون، وكذا أيضا الموضع الذي بعده، وهناك تسعة مواضع ذكرها بعض العلماء يجوز فيها تذكير الفعل وتأنيثه، منها: أن يكون الفاعل جمع تكسير لمذكر أو لمؤنث، أو ملحقا بجمع المذكر السالم، أو اسم جمع أو اسم جنس … إلخ، وليس من ضمنها هذا الموضع. ينظر: الغيلاني، مصطفى بن محمد سليم الغيلاني (ت:1364 هـ)، (جامع الدروس العربية)، راجعه: د عبد المنعم خفاجة، ط: 30، المكتبة العصرية - بيروت، (1414 هـ 1994 م)، ج:2، ص: 242.
(2) في (ج): وهو الذي يقصده ويتكلم عليه".
(3) دريد بن الصمة، من جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهو أحد الشجعان المشهورين وذوي الرأي في الجاهلية، شهد يوم حنين مع هوازن وهو شيخ كبير، وقتل يومئذ فيمن قتل من المشركين. قال أبو عبيد: غزا عبد الله بن الصمة واسم الصمة معاوية الأصغر - من بني غزية بن جثم، وهو أخو دريد بن الصمة، فأغار على غطفان فأصاب منهم إبلا عظيمة فاطردها، فقال له أخوه دريد النجاء فقد ظفرت، فأبى عليه وقال: لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي، والنقيعة: ناقة ينحرها من وسط الأبل فيصنع منها طعاما لأصحابه، فأقام وعصى أخاه، فتبعته فزارة فقتلوه فقال دريد قصيدة يرثي بها أخاه عبد الله، ومنها هذا البيت الذي استشهد به الشارح ينظر: ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت:276 هـ)، (الشعر والشعراء)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بدون طبعة دار الحديث القاهرة، (1423 هـ 2002 م)، ج:2، ص:737. وأيضا: ابن عبد ربه، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت: 328 هـ)، (العقد الفريد)، تحقيق: د عبد المجيد الترحيني، ط:1، دار
الكتب العلمية- بيروت، (1404 هـ 1983 م)، ج:2، ص:32.
(4) في (أ) حتى يتصل". وهو تصحيف كما يظهر.
27
}