تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٥٥دليل غير مطلق الأمر، وأيضا فإن قول القائل: "افعل" يتضمن ثبوت الفعل وطلب إيقاعه، وحُصِرَ المقصد بالصيغة فى ثبوت الفعل وطلب إيقاعه، فلو كان يقتضي غير الإيجاب لكان في ذلك اقتضاء جواز الترك؛ إذ الإباحة معناها التخيير بين الفعل والترك، والندب فيه إعلام بسقوط العقاب على الترك، والترك ينافي ثبوت الفعل، ودليل آخر أن نفوس المخاطبين بالأمر إنما تسبق وتُبادِر إلى الوجوب والعزيمة، ويسبق إلى نفوسهم ثبوتُ اللوم على التفريط والتضييع، فهذا مركوز في جبلة كل عاقل.
قال المفسر لنا في الآية ثلاثة استدلالات أحدها قوله "اسجدوا" فسماه أمراً فأثبت به صيغة الأمر؛ رداً على من قال [إن] (1) الأمر لا صيغة له، ورداً على من قال قول "افعل" دلالة على العبارة الدالة على المعنى القائم في النفس. الثاني التوبيخ واللعن لإبليس حيث لم يبادر الامتثال كما فعلت الملائكة، وهو قاطع بالوجوب الثالث ابتدارُ الملائكة الامتثال واعتقاد الوجوب من غير توقف، والأمر مجرد؛ حيث لم يقل اسجدوا [لآدم] (2) إلزاماً لكم ووجوباً عليكم.
قال المفسر: ننقل ههنا مذاهب أهل الأصول فيما يقتضيه الأمرُ المطلق المجرَّد العاري؛ فإنه الذي فيه النزاع بينهم، وصورته "افعل"، وهو أحد أركان الكلام، قال الفقهاء وأئمة الشرع وبعض المتكلمين: إنه يُحمل على الوجوب والإلزام، وهذا مذهب أصحابنا وفاقاً منهم المشارقة والمغاربة، وعليه كلام الشيخ واستدلاله في الباب كما سبق وكما ننص عليه في المستقبل. وقال بعض الناس: إنما مقتضاه طلب امتثال المأمور بفعل المأمور به واتصافُ المأمور بالطاعة في الفعل وبالعصيان في الترك، وهذا قريب من الأول؛ لأنه آيل إلى معنى الوجوب، وهو مذهب عبد الجبار الهمذاني (3) من معتزلة بغداد وقال بعضهم: إنما تُحمل على الإباحة والتخيير إن وردت مطلقة. وقال بعضهم: إنما تحمل على الندب؛ وهو قول بعض السُّنية فيما وجدت في [بعض] (4) كتبهم
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) ساقط من (ب) و (ج).
(3) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني، أبو الحسن (ت: (415 هـ): قاض أصولي، من كبار فقهاء الشافعية، كان شيخ المعتزلة في عصره، وهم يلقبونه بقاضي القضاة ولا يطلقون هذا اللقب على غيره، ولي القضاء بالري ومات فيها، له تصانيف كثيرة منها تنزيه القرآن عن المطاعن والأمالي، وشرح الأصول الخمسة وغيرها ينظر: الذهبي، (سير أعلام النبلاء)، مصدر سابق، ج 17، ص:244. السبكي، أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (ت:771 هـ)، (طبقات الشافعية الكبرى)، تحقيق د محمود الطناحي وآخرون، ط:2، هجر للطباعة والنشر - الجيزة، (1413 هـ 1992 م)، ج:5، ص:97. الزركلي (الأعلام)، مصدر سابق، ج:3، ص:273.
(4) ساقط من (ب) و (ج).
{47]
}