تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٥٧ومرتبة لم يبلغها؛ إلا إن كان يليق بذلك فترجع القصة كما كانت ولسنا ننكر أن لفظة "افعل" ترد أمراً وترد بخلافه، وإنما الكلام على ورودها مطلقة، ولكنا نقول إن وردت مطلقةً [بغير قرينة] (1) فالأصل فيها الأمر ثم الوجوب على قول بعضهم (2) حتى ترد معها قرينة تقتضي غير الأمر، وقالوا أيضاً لو قال للصباغ اصبغ لي هذا الثوبَ؛ لجاز له التوقف حتى يعلم أي لون يريد، فهذا لا يلزم لأن الألوان تشترك؛ إلا أن يكون صباغ البلد لوناً معروفاً فيكون عاصياً إن لم يمتثل، وأما إن كانت متساوية فيسوغ التوقف، ولا بد للخطاب من ظاهر تسبق النفوس إليه فيحتاج ما دونه إلى قرينة، وكذلك لو قال: اضرب الدابة خلافا لقوله اضرب الحمار؛ إلا إن كان للبلد عادة فهي أقعد.
الشرح: قال المفسر: رجع الشيخ في هذه العبارة إلى المعتزلة؛ فإن اعتمادهم على الإيجاب والوجوب عقلاً، والسُّنية لا يدرك الوجوب والإيجاب عندهم بالعقل، وإنما يدرك [عندهم] (3) بالشرع لا غير، وأكثر أصحابنا يثبتون الإيجاب والوجوب عقلاً على طريقة المعتزلة؛ وخصوصا العمانيون منا، فإذا عورضوا بالوجوب والإيجاب على الله إذ لا علو عليه ولا موجب غيره- اعتصموا بالحكمة، وقالوا واجب في حق الحكمة، أوجبته الحكمة، وأشار الشيخ في النكتة [إلى] (4) اشتراط الأدنى والأعلى في الأمر، وأبى منه الأصحاب وسوغوا أمرتُ عبدي، وأمرتُ أخي، وصديقي، وابني، ووالدي (9)، ومولاي، وسيدي دليله عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتمثيل المذكور في النكتة المعروف فيها "اسقني" دون ذكر الماء؛ لأن ذكر الماء قرينةُ العزم والإيجاب، فإذا قال "اسقني" فهي صيغة مطلقة عارية من القرائن، فإن توقف حَسُنَ تأديبُه ولومه؛ إذ لو أراد السيد غير الماء لقال: اسقني لبناً، أو خمراً، أو نبيذاً. ولكنه حيث أطلق ولم يقيد فهو إيجاب في سقي الماء، وهو الظاهر في محتملات اللفظ، وهو الأسبق إلى النفوس؛ كاللباس في الثياب، والوقاع في النساء والركوب في الخيل والمعارضة بلباس الخلعة والتاج وتوقف العبد عنهما لا تلزم؛ إذ لا، سواء، حيث القرينة فيهما ظاهرة، وهي الإشعار بالأبهة (6) والتبجيل في لباس التاج والخلعة، فالتاج من شعار الملوك، والخلعة من شعار الأمراء والكبراء والرؤساء، ومن
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) في (ب) و (ج): "ثم الوجوب وقال بعضهم … إلخ". ويبدو أن فيه تصحيفا.
(3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) ساقط من (أ).
(5) في (ب) و (ج) وأمرت" صديقي وابني وأبي".
(6) الأبهة بالضم والتشديد للباء، العظمة والكبر والبهاء ينظر الفراهيدي، كتاب العين)، مصدر سابق، مادة "أبهة" ج:4، ص:98. ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، مادة "أبه"، ج:13، ص: 466.
49
}