تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٦٦قال المفسر: ومن إيضاح المسألة بالمثال أيضاً تعليق الحكم بعلة، فإذا زالت زال معلولها، واقتضى "افعل" بعدها الإباحة دون الوجوب، وذلك في قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى
فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} البقرة:
222، فالاعتزال معلول بالمحيض، يجب مع وجوده وينتفي مع ارتفاعه، وقوله "حتى يطهرن" غاية للحيض والاعتزال، أي يَرَينَ الطُّهر البَيِّن الخالص، فهناك تَعيَّن عليها التطهر، وهو الاغتسال بالماء الطاهر، فكأن الحيض دليل يثبت به ويجب الحكم وهو الاعتزال، وكأن الطهر غايةٌ عُلق عليها حكم الحيض والاعتزال (1)، وكأن التطهرَ بالماء أمارة يثبت عندها حكم الإتيان [إباحة (2) أو وجوباً، فالحي يثبت به، والطهرُ ينقضي عنده، والتطهر يثبت عنده؛ من أجل أن لفظ الأمر بالإتيان ليس بأمر وإنما هو إيذان وإعلام بإسقاط الحرج، وإطلاق من ربقة التحجير والمنع، ومن تعليق الحكم إلى الغاية قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا المائدة: 96، وتعليقه إلى الحكم المعين: فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} البقرة: 222
وقوله: "وهو الأليق بهذه الشريعة (3) فإن الشريعة مبنية على التيسير والتسهيل والتخفيف، فاقتضى ذلك رفع الأثقل بالأخف ومنافاة النقيض، والإباحة أخ من الوجوب، وأما من قال من أهل الأصول إنه يحمل على الوجوب فإنما استدل عليه بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ: التوبة: 5، وقد قال فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} التوبة: 2، وقال: إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} التوبة: 4، وقال: {إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُوا التوبة:، فقتالُ المشركين بعد أشهر المدة وبعد انسلاخ الحُرُم فرض وجهادهم حتم، وقد نقلوا فيه من الأخف إلى الأثقل ومن الأيسر إلى الأعسر، وقوله عز وجل: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنتَشِرُوا
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) ساقط من (ب) و (ج).
(3) في (ب) و (ج): "وهو الأليق بأنفاس الشريعة"، وهو يخالف ما سبق من عبارة المتن.
{
58
}