تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٦٩المعتزلة إنه خطاب مسموع، وقول معروف [مفهوم] (1) معقول بحروف مقطعة وأصوات مسموعة، والوجه الآخر أن الأمر هو الإيجاب، "أَمَرَ" أي أوجب أو نَدَبَ، خطاباً أو إلزاماً لا خطاب (2)، فالإيجاب والإلزام أوامر، أما المعتزلة فقصروا أمر الله على الخطاب الموجود في القرآن، ولذلك قالوا من لم يَسْمَع لم يُؤْمَر (3)، وأما الأشعرية فَعَزَوه إلى صفة الذات (4)، والمسلمون بين بين فأثبتوا الأمرين جميعاً ()، وهما الخطاب والإيجاب وأبطلوا الصفة والذات (2)، ولذلك لا يعذرون من لم يسمع كما عذرته المعتزلة، والله أعلم.
الشرح: قال المفسر نحرر أولاً قبل الشروع في التفسير معتقد الأشعرية، وحقيقة ما صاروا إليه في كلام الله عز وجل وقوله وخطابه وأمره ونهيه، ثم نعطف عليه بشيء مما عوّل عليه الشيخ في مقابلة الأشعرية والمعتزلة كليهما، وكيف سلك المسلمون طريقة الوسط بين الفريقين؛ فنقول: ذكر أبو المعالي (1) في تلخيصه فقال (8): اعلم أن الكلام على أصول المحققين من أهل الحق معنى في النفس، وهو ما تدل عليه العبارات، ولا تسمى العبارات كلاماً إلا تجوزاً وتوسعاً، فالعبارات إذاً دلالات على الكلام (9) وليست نفس الكلام، وهي نازلة منزلة الرموز والإشارات المُعقِبَة إفهام
(1) ساقط من (أ) و (ب).
(2) يعني أن الأمر الذي يقتضي الإيجاب أو الندب لا يلزم أن يكون بخطاب، فقد يكون الأمر عن خطاب وعن غير خطاب، ومعنى هذا أن الأمر على وجهين، وجه منه كما قالت المعتزلة وهو ما كان بخطاب مسموع وقول مفهوم، ووجه منه يتحقق به الإيجاب والإلزام ولو لم يسمعه المكلف به، على ما سيأتي تفصيله في كلام الشارح إن شاء الله تعالى. ينظر أيضا: أبو الربيع التحف المخزونة، مصدر سابق، ص 316.
(3) للمعتزلة تفصيل في هذا، فإنهم قسموا الأشياء المعلومة إلى ثلاثة أقسام، منها ما يعلم بالعقل وحده؛ كالمعرفة بالله وبصفاته، وأنه غني ولا يفعل القبيح، ومنها ما يعلم بالعقل والشرع معا؛ كالعلم بأن الله واحد لا ثاني له في حكمه، ووجوب رد الوديعة، ومنها ما يعلم بالشرع وحده، وهو ما كان في السمع دليل عليه دون العقل؛ كالعلم بكون الصلاة واجبة، وأن شرب الخمر حرام. وكلام صاحب المتن هنا إنما يفسر على ما كان علمه بالسماع. ينظر: أبو الحسين البصري، (المعتمد)، مصدر سابق، ج 2، ص 886.
(4) في (ب) و (ج): "وأما الأشعرية فقد ردوه إلى صفة الذات".
(5) في (ب): "قاسوا الأمرين جميعا". وهو تصحيف.
(6) وجدت على هامش النسخة (أ) ما نصه: أي زائدة على الذات، الواو بمعنى مع".
(7) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي الملقب بإمام الحرمين (419 - 478 هـ): أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، ولد في جوين من نيسابور ورحل إلى بغداد ثم مكة حتى جاور أربع سنين، له كتب كثيرة منها: البرهان في أصول الفقه، التلخيص في أصول الفقه، ونهاية المطلب في دراية المذهب. ينظر: السبكي، (طبقات الشافعية الكبرى)، مصدر سابق، ج 5، ص 165. ابن خلكان وفيات الأعيان، مصدر سابق، ج 3، ص 167. الزركلي، (الأعلام)، مصدر سابق، ج 4، ص 160.
(8) الجويني، (التلخيص في أصول الفقه)، مصدر سابق، ج 1، ص 239. (9) في (ب) و (ج): فالعبارات دلالة على الكلام".
{")
}