تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٧١عندكم؟ قالوا هو هذا المسموع بالآذان، المتلو بالألسن، المقطَّعُ الحروف، المتعلقُ إلى الظروف، المحتمل للتصريف الموصوف بالتربيع والتثليث والتنصيف؛ فههنا وقعت المغالطة (1). فإن اعترف أهل الظاهر لأهل الباطن بقولهم صح ما قالوا أن الكلام في النفس، وأنه معنى في النفس على قول الأشعرية، وإن اعترف أصحابُ الباطن لأصحاب الظاهر بما قالوا أن الكلام هو هذا المسموع (2) بالآذان المتلو بالألسن ثَبَتَ أنه مخلوق، فعلى كل واحد أن يقيم الحجة على ما قال، فإن أقاماها جميعاً صح ما قالا جميعاً، هذه صفة وهذا فعل، وإن عجز أحدهما صح ما قال الآخر، وإن عجزا جميعاً صح ما قالا أو بطل واستدل أصحاب الباطن بقول الأخطل التغلبي (3):
إن الكلامَ لَفِي الفؤاد وإِنَّما … جُعِلَ اللسانُ على الفؤاد دليلا
واستدل أصحاب الظاهر بقول الله عز وجل: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ: التوبة،6، فقال أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن صاحبكم نصراني لا: يُصغى إليه في تفسير لغة العرب، وإنما يكون حجةً في القول بها والخطاب إذا خاطب بها، ونحن استدللنا بكتاب الله عز وجل، وما في الفؤاد غير مسموع، بالآذان، وقال الآخرون أثبتناه صفةً لأن ضده (4) منفى عن الله عز وجل، وهو الخَرَس، وقال الآخرون ليس الخَرَس للكلام بضد؛ إنما هو آفة وزمانة في اللسان، وضد الكلام السكوت وليس بآفة، فكما لا تقول الخَرَس ضد القدرة، وكذلك في النوم والعطش والجوع، وهي آفات وعجز، والعجز ضد القدرة، وتنفيه القدرة من حيث ما دار (°)، وبعد فكون الكلام في النفس ككون الفعل في النفس، فلا يكونان صفةً، وإنما قلنا كونُهما في النفس متعلق إلى علم الله عز وجل، يعلمه في علمه (6) الذي إن ظهر كان كلاماً وكان فعلاً، وقد
(1) في (ب) و (ج): "فمن ههنا وقعت المغالطة".
(2) في (ب) و (ج): "أن القرآن هو هذا المسموع … إلخ".
(3) أبو مالك، غياث بن غوث بن الصلت (ت: 125 هـ)، من بني تغلب، وأصل تسميته بالأخطل أنه هجا رجلا من قومه، فقال له: يا غلام إنك الأخطل اللسان، فغلبت عليه، وكان الأخطل نصرانيا، اشتهر بمدح بني أمية، وهو وجرير والفرزدق في طبقة واحدة. ينظر: ابن قتيبة الشعر والشعراء، مصدر سابق، ج 1، ص 473. الهاشمي، السيد أحمد الهاشمي، (جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب)، تحقيق: لجنة من الجامعيين، بدون طبعة، مؤسسة المعارف- بيروت، بدون تاريخ، ج 2، ص 135.
(4) في (ب) و (ج): "لأن ضدها. بضمير المؤنث، ويكون عود الضمير حينئذ إلى الصفة لا إلى الكلام.
(5) في (ب) و (ج): "من حيث ما دارت". أي القدرة.
(6) في (ب) و (ج): " يعلمه الله ففي علمه … إلخ".
(63)
}