ضياء الضياء
الجزء ١ · صفحة ٣٩٩الباب السابع عشر:
في ذهاب العلم وطالبيه
وإنقلاب الأحوال بأهله وزهادة أهل الوقت فيه
كان العلم في الزمن الأول مطلوباً، ومرغوباً فيه، ومحبوباً تشد إليه الرحال، ويُشترى بالأموال، وتحتمل فيه شقة الأحوال، وصعوبة الأهوال، ويسموا به متحملوه، ويُصان له أهلوه، ويُوقر عليهم منتحلوه، وكل يُعظمهم تبجيلاً، ويُقدمهم تفضيلاً، هذا إذ الناس ناس، والدِّين قوي، والحق جلي، والعلم أرفع شيء، فلما ذهبت الأفاضل، وبقي الأراذل، وضعف الدين، وأدجا الحق، وأخوي نجم العِلم، وبخس جده، وإكبار نده، وأقل سعده، صار العلم جهلاً، والتعليم وبالاً، والحق ضلالاً، والصحيح مُحالاً، والرياسة للأسافل، والتقديم للأراذل، والسيادة للجهلاء، والبلادة للفضلاء، والعلم مهجور،، والأدب محقور، والمال مطلوب، وصاحبه محبوب، وبلسانه متكلم، ولمكانه متقدم، فهل تجد في وقتك هذا عَالِماً، إلا وهو مُستحقر ذليل، أو جاهلاً إلا وهو موقر جليل، فيا لها حسرة كررت الحسرات، وفكرة أدرت العبرات؛ وقال محمد بن مداد في ذلك: